السبت، 19 مايو، 2012

ليبيا : بين الأحلام والعمل


من الطبيعي  القول انه يحق للشعب الليبي أن يتخلص من آثار الطاغية الذي حكم ليبيا اكثر من أربع عقود , عاني الشعب خلالها من الظلم والقهر وسرقة الآمال والأموال , أربع عقود همشت فيها  ليبيا بكاملها , يخطي من يظن أن التهميش كان لمنطقة دون منطقة أو شخص دون آخر , طرابلس همشت كما همشت بنغازي , و كاباو همشت كما همشت أجدابيا , وخير دليل على ذلك هو ما رأيناه من ضعف في  البنية التحتية من طرق ووسائل مواصلات ومستشفيات والكثير الكثير غيرها .

هنالك آثار يسهل أزالتها , وهنالك آثار تبقى وتحتاج إلى عمل كبير وزمن حتى تزول .
فمن السهل جدا مد الطرق الرابطة بين المدن , فهذا لا يحتاج إلى زمن طويل , ومن السهل جدا بناء المستشفيات وتزويدها بكل مستجدات العصر , ومن السهل جدا بناء العمارات السكنية وحل مشكلة السكن , وكذلك المدارس والجامعات . كل هذه أمور مادية , يمكن القيام بها خلال أشهر قليلة , ولكن الصعب هو بناء الإنسان الذي سيستخدم هذه الطرق , ويعالج في هذه المستشفيات أو يشغلها , ويسكن تلك المساكن والعمارات ,
استخدام الطرق يحتاج من المستخدم احترام  الطريق , واحترام الآخرين الذين يستخدمونه معه , والمستشفى تحتاج إلى الطبيب والممرض أو الممرضة الذي يحترم المريض ويعلم حجم المسئولية الملقاة على عاتقه , والمريض أن يعلم بأن المستشفى وضع له ولغيره فيحترم الوقت والإنسان  والمكان الذي يخدمه ,
كل الأدوات المادية التي يسهل القيام بها يعتمد نجاحها على الإنسان الذي يشغّلها وعلى الإنسان الذي يستخدمها .
بناء وعي  الإنسان  مكلف وطويل , هنالك آثار للطاغية يصعب التخلص منها , تحتاج إلى زمن طويل , وتحتاج إلى صبر , وعمل مخلص دءوب , والى قياده قوية حازمة .

أول هذه الآثار التي تركها نظام الطاغية هو إحساس الليبي انه مهمش , مما جعل الكثير يخاف من تكرار حالة القذافي وأن يتعرض للتهميش هو ومنطقته ومدينته , أهم أثر يجب إزالته هو هذا , فهو يهدد الوحدة الوطنية ويهدد وجود ليبيا ككل , يجب العمل على إعادة الثقة بين مختلف أطياف الشعب الليبي , فلا يعود هنالك شرقاوي أو غرباوي  أو جنوبي أو أمازيغي , بالطبع لا اطلب حذف هذه التسميات , ولكن أن تكون التسميات هي للتعريف عن الشخص وليس للحكم عليه ,

ثاني هذه الآثار  هو الخطأ في فهم معنى الحرية والمواطنة وما هي الواجبات وما هي الحقوق , فلقد كان مفهوم الحرية غير قابل للتطبيق في ظل حكم تسلطي قمعي , ولا وجود للرأي الآخر , ولم يوجد معنى حقيقي لحق المواطن , فالمواطن يجب أن يقبل بكل ما يصدر عن السلطة , ليس له حق الاعتراض , وكان يعمل كمتلقي للحقوق وليس كصانع لها , والواجبات تكاد تنحصر في إطاعة السلطة , حتى بلغ في احد السنوات انه تم منع الحج , وسنوات تم تغيير موعد عيد الأضحى , أسماء الأشهر غيرت , والتاريخ حرّف , حتى الحقوق الدينية الصريحة تم تجييرها لصالح واجبات طرحتها السلطة على المواطن . ( بالطبع اعلم أن الكثير لم يسر حسب ما كان مطلوبا بشأن عيد الأضحى ) ,  المطلوب الآن هو نشر الوعي الحقيقي وليس وعي الكتاب الأخضر , وعي بالمواطنة , وعي بالواجبات , ووعي بالحقوق , وعي بالمعنى الحقيقي للحرية ,  وقد يكون هذا هو أصعب أثر

ثالث هذه الآثار , هو نشر ثقافة الحوار والتحاور في المجتمع , للأسف ما زالت لغة التخوين والتشيك هي السائدة , وليست لغة النقاش والبحث عن الحقائق وسماع الرأي الآخر , ومحاولة الاستفادة منه . تجد أن الانتقاد  ما زال يدور حول الشخص وليس حول الفكرة أو الرأي , ما زل الفكر مرتبطا بالقائل وليس بالقول , وهذا يحْرِم المجتمع من وجود التنوع الضروري للنمو و الرقي . التنوع الذي كان السبب في رقي أمم كثيرة .

على المجتمع بكامله العمل  لإزالة هذه الآثار , حيث أن الحكومات لا يمكن أن تقوم به , بل وللأسف , قد يكون بعض " بعض " من أستلم مناصب أو أصبح يملك القوة مسرورا بوجود مثل الآثار السيئة ,
إزالة هذه الآثار  هو عمل المدرس في فصله والأب في منزله والعامل في مكتبه,  وهو واجب المعلمة والآم والعاملة , هذا واجب المجتمع ككل .
يجب أن يكونوا هم المثال والقدوة للمحيطين بهم , وأن لا تكون أهداف الثورة فقط أحلام يقظة يحلموها , ونوايا حسنة ينوونها  , بل يجب أن تكون أعمالا يعملونها , وأخلاق يتمتعون بها .  فالطريق إلى الفشل  مفروش بالنوايا الحسنة  والأحلام الوردية,  والطريق إلى النجاح مزروع بالشوك والآلام و التضحيات .  ومتى ما تحملنا الصعاب , فبأذن الله سنصل . فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا .
وعلى طريق الحرية والكرامة نلتقي
صالح بن عبدالله السليمان
خاص بمجلة لؤلؤة المتوسط

هناك تعليقان (2):

  1. بنت مصراتة19 مايو، 2012 6:37 ص

    الكلام الموجود في المقال رائع ولكن الحقيقة ذكرها الشاعر نعبم الزوي
    هما هما نفس الوجوه اللى تجيب الغمه .. نفس الوجوه اللي تجيب الغمه ..
    كيف امس كيف اليوم هما هما

    نفس الناس ونفس الاسامى اللى تجيب الياس .. كدب ونفاق وظلم واختلاس ..
    وين ما يبانوا يسرقوا

    المهم نفس احميده .. ونفس الوجوه اللى زمان زهيده .. ماتقول جدت في
    لبلاد جديده .. ولاهناك عيل مات ضحى بدمه

    ماتقول شاب اليوم فاقد ايده .. وفاقد اقدامه ولنظار وفمه

    ونفس الالحان . نفس الكدر والحوسه.. لين نفسنا تمت الا محبوسه

    على ناس مندمه على اشكال خطوتها بقت مدروسه ..واضحين ياصاحب اقلال
    الهمه


    نفس القصه ونفس الحكاوى ونفسها بالعسه ..كم الف غصه حاصله في غصه قلوبنا دارت هوايل جمه

    من ناس طالت من وطنا حصه .. كلوا حقنا والوطن زادوا همه


    نعيدوا التورة .. تورة وراء تورة وراها تورة ان كانهو بقى هالظلم يلعب
    دوره .. وبقيوا اللى من قبل باعوا الدمه ومايوم تبقى بلادنا مكسورة

    ردحذف
  2. بنت مصراتة19 مايو، 2012 7:13 ص

    ضحينا بالكثير من اجل ثورة 17 فبراير وذلك من اجل تحقيق الحرية ولكي نتمكن من المشاركة في صنع القرار في ليبيا من خلال المشاركة في الانتخابات ولكن تفاجاءت عندما تم منع بعض الجاليات الليبية الموجودة في دول معينة من المشاركة في التصويت للاعضاء المترشحين !! والسؤال المطروح ماهي الاسباب ؟ اذا كان اعضاء سفارات هذه الدول غير شرفاء ولاتوجد فيهم الثقة لماذا لم يتم تغييرهم الى الان ؟اذا كانت هذه الدول تحتوي على العديد من اعوان الطاغية فهم ايضا ليبيين ومن حقهم المشاركة في التصويت .
    اليس مايحدث يااستاذ صالح نوع من التهميش لبعض الجاليات الليبية؟

    "فالمواطن يجب أن يقبل بكل ما يصدر عن السلطة , ليس له حق الاعتراض"

    س: اذا ما الذي تغير في البلاد ؟
    ج: علم بو نجمة وهلال و زيادة عدد الشهداء والموتي مازال عددهم في ازدياد نتيجة الاهمال من قبل اللجان التي تسرق الاموال واعوان الطاغية في مناصبهم والسفارات خير مثال .
    اود ان يعي الشعب بان ثورة 17 فبراير هي ثورة الشعب على نفسه لان الطاغية لم يكن من يدير كل المؤسسات في ليبيا من شرقها الي غربها ومن شمالها الي جنوبها .
    قال تعالى"إن الله لايغير مابقوم حتى يغيرواابأنفسهم"

    ردحذف

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال