السبت، 19 مايو، 2012

رغما عن أنفك ...


تمر على الإنسان حوادث هامة , لكن يصعب ويندر أن تمر عليه حوادث تاريخية , لأن النقاط المضيئة في التاريخ لا تمر إلا قليلا , ويصعب على الكاتب أو المفكر أن لا يتوقف عندها . يتوقف عندها ليسجلها ويوثقها ,



تمر أمتنا بفترة تاريخية كبيرة , قلت وأكرر أن مداها وصل إلى أقصى بقاع الأرض , وتأثيرها سيدخل كل بيت . إن لم يكن دخله حقا .
ربيع عربي , ينطلق رغم تكالب الكثير من القوى لإحباطه , قوى داخليه في كل قطر عربي , وقوى خارجية , كلها تحاول أن توقف الشعب العربي من نيل حقوقه , أو تحد من كم الحقوق التي يحصل عليها .
بدأت بالقتل والسجن والتعذيب والتنكيل بكل مُطالب بالحقوق الأساسية للإنسان وهي الحرية والكرامة , إلى محاولة إشغال أقطاب الثورة والنخب وجعلهم يتصارعون فيما بينهم , فهذا إسلامي وذاك ليبرالي وعلماني , وبين من يتغنى بالدولة المدنية ومن يخوف من الدولة الدينية , مرورا ببعض المثقفين الذين ما انفكوا يحاولون التشكيك بدوافع الثورة وأهداف الثوار .
يحاولون طمس نور الشمس التي بدأت تشرق على العالم العربي بخرافات وادعاءات وأوهام لا توجد إلا في صحافة صفراء آو في  عقول من يخاف التغيير  .

بالطبع , الخروج من الحضيض الذي كنا فيه, وآسف للقول بأننا ما زلنا فيه إلى اليوم .

امة مفرقة مشتتة , فلسطين مغتصبة , القدس تئن تحت أقدام الصهاينة ,

بلادنا لا تنتج , بل تأكل وتلبس ما يزرع وينسج الآخرون , معظم ثروتنا التي ننعم بها ليست نتاجنا , بل تأتي من حفرة في الأرض , نأكل من خزان في باطن الأرض , ليس لنا فضل فيه .

تنخر سوسة التفرقة والكراهية وعدم الثقة بين مجتمعاتنا , بل وكثير من  الأحيان تنخر بين أفراد المجتمع الواحد والبلد الواحد .

فقر وجهل وبطالة وفساد مالي وإداري وحكومي وسوء استعمال للسلطة وعدم سيادة القانون وعدم المساواة بين الخلق . كلها أمراض تهد من كياننا

قلّة وعي وعدم إحساس بالمسئولية , واستسلام , وتواكل , وسلبية في العمل والفكر,  آفات نعاني منها.

صورة قاتمة للحضيض الذي كنا وما نزال نعاني منه .

ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا نحن الشعوب القدرة على التغيير , ومنحنا هذه الهبة الإلهية , ولكن أعطانا إياها بشرط واحد أشترطه علينا . وهو أن نغيّر ما بأنفسنا , فإذا حققنا الشرط فحري بربنا صادق الوعد أن يحقق ما أشترطه على نفسه , بقوله تعالى  {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}

كل هذه الأفكار تداعت وأنا أرى هذه الصورة , لأحد شباب بنغازي يضع إصبعه "المعطر" بحبر أول انتخابات حقيقية ونزيهة في بنغازي بعد إسقاط الطاغية معمر القذافي . ولسان حاله يقول له , رغما عن أنفك .
نعم رغما عن انف كل طاغية , ورغما عن انف كل ظالم , سيختار الشعب من يصلح لقيادته , سيختار الشعب القوي الأمين , و حتى إن اخفق الشعب مرة , ستكون صناديق الاقتراع موجودة لإصلاح الخلل , ولتصويب الخطأ .

فكل مرشح يعلم أن بقاءه و إزالته رهن برضا الشعب , رهن برضا الأمة , فأن حاول أن يصبح سيدها فسيعيده الشعب إلى مكانته الحقيقية . فليس للأمة سيد إلا من يخدمها , وليس لها قائد إلا من يحقق طموحها .
الشعب الذي يذهب إلى صناديق الاقتراع الحرة والنزيهة لا يعرف التطبيل ولا قصائد المديح , ولا يسمع لفرقة المنشدين بحب من على الكرسي , بل يعرف الإنجازات , يعرف الحقائق على الأرض ,  لا يكترث لقصائد المتنبي في سيف الدولة , ولا ما قال جرير في مدح عبد الملك بن مروان , ولو كان النابغة في زماننا هذا لم يحتج للاعتذار وللقول
فإنك كالليل الذي هو مدركي  *  وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
هذه ثقافة قد ولت . وحان عهد ثقافة جديدة , ثقافة صناديق اقتراع , ثقافة العقد الاجتماعي , ثقافة أمير القوم خادمهم .
وويل لكل من لا يتعلم هذه الثقافة الجديدة , فسيأتي عليه اليوم الذي يقال له , رغما عن أنفك ....
وعلى طريق الحرية والكرامة نلتقي
صالح بن عبدالله السليمان


هناك تعليق واحد:

  1. من مدينة الجهاد و التضحيات21 مايو، 2012 3:33 م

    جزاك الله كل خير على هذا المقال الذي ادخل التفائل في نفسي بعد ان كانت يائسة ومحبطة .مع انني من الفئة التي حرمت من المشاركة في التصويت في الانتخابات ولست ادري ما الاسباب ولكن ندعو الله ان يوفق اهلنا في ليبيا من اختيار الافضل والذي يخدم ليبيا ويرتقي بها في جميع المجالات .

    ردحذف

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال