الأحد، 1 يناير، 2012

حكامنا وقيصر الروم


أقرأ فتوى بعض العلماء جزآهم الله خيرا , في وجوب طاعة أولى الأمر , وهذا لا خلاف فيه بين جميع المسلمين , فالطاعة لولي الأمر واجبة نصا في قوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"  ولكن هل هي طاعة مطلقة ؟ طاعة في الخير والشر؟ أم طاعة لها ضوابط ؟
نرى في الآية الكريمة  أن أولى الأمر تأتي عطفا على الرسول صلى الله عليه وسلم ,  بينما خصص الرسول صلوات الله عليه بالطاعة فتكررت كلمة طاعة لله ثم للرسول , وهذا العطف له دلالات واضحة لكل من يفكر في معانيها .
وأهم دلاله لهذا العطف أن أولي الأمر  يستحقون الطاعة  إذا ما حكموا بما جاء به بالرسول صلى الله عليه وسلم , وأن يمتثل لأوامره  وينتهي عن نواهيه , فهو يستحق بهذا  الطاعة.
هنا نخالف المسيحية , إذ يقول الكتاب المقدس " إعطوا ما لقيصرَ لقيصرْ وما للهِ للهْ " (متى21:22).
هكذا كانت طاعة أولي الأمر مطلقة في المسيحية ولكنها مقيدة  في الإسلام , مقيدة بإتباع  الأوامر والنواهي.
فما هي أهم هذه الأوامر والنواهي ؟ والتي قال الله عنها ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) وقال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) وقال تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) وهذه الآيات  وإن جاءت في أهل الكتاب إلا إنها تعم المسلمين باتفاق العلماء على ذلك .
القاعدة الأولى التي يجب أن يتبعها الحاكم :-  قوله تعالى "وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ" فان العدل هو أساس الملك , وأسم من أسماء الله الحسنى , ومن لا يحكم بالعدل فهو ظالم , والظالم لا طاعة له بين رعيته , فكيف يطيع الجندي والشرطي والموظف ويرضى أن يكون أداة في يد ظالم , فهو إذن شريك له في الظلم , وهذا ما نرى عليه الكثير من جيوش وشرط وعمال حكوماتنا اليوم , يطبقون بعض الأوامر الظالمة فيكونون شركاء في الظلم , وقالوا بؤس من باع آخرته بدنيا غيره . وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : ( ما من أمير عشرة ، إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولا حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور ).

القاعدة الثانية التي يجب أن يتبعها الحاكم :-  ( وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) , وحكامنا اليوم هم أغنى أغنياء العالم يمتلكون الذهب والفضة والعقار والمال في كل رقعة من رقاع الأرض , تكاد المصارف في العالم تفيض بأموالهم وأموال أصحابهم , بينما المواطن في بلادهم لا يجد بعض الأحيان ما يسد به رمقه أو يستر به عورته ,

القاعدة الثالثة التي يجب أن يتبعها الحاكم :- {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} إذ يجب على الحاكم المسلم أن يتبع خطى سيد الخلق فيكون رءوفا برعيته وحنونا عليهم , يرعى مصالحهم قبل مصالحة , يكون القوي لديه ضعيفا حتى يأخذ الحق منه , والضعيف قويا لديه حتى لا يأخذ له حقه , لا يحابي أسرته وأبناءه وأعوانه على حساب الأمة ,  ويذكر حديثه صلى الله عليه وسلم إذ كلمه أسامة في شأن القرشية التي سرقت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فخطب فقال " أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها " , لا أن يسرق أخوه أو ابنه أو وكيله مال الأمة بالفساد والرشوة وهو يعلم هذا , ويرى كيف تضخمت  أمواله وأموال  أسرته وبطانته وهو ساكت عنهم لا يقول شيئا , ولا يحاسبهم حساب عمر بن الخطاب " من أين لك هذا؟ .

القاعدة الرابعة التي يجب أن يتبعها الحاكم :-  هو عدم الغش لرعيته ,  فإذا غشهم فهو مستحق للنار لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم - : ( ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة )  وفي الرواية الأخرى ( ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة ) . ولا يستحق النار إلا كافر , وهكذا يكون الوالي الغاش في منزلة الكافر , مستحقا للخلود فيها ومحرمة عليه الجنة ,

الآن لنسأل أنفسنا , مَنْ مِن الحكام العرب يقوم بهذه القواعد ؟
للأسف نجد إن حكام النصارى هم الأقرب لها من حكامنا نحن , نجد لديهم العدل وقلة الفساد ما لم نقل انعدامه ,  وإذا فسد حكم عليه , حتى في إسرائيل يحاكم رؤساؤها  على فسادهم في أمور دولتهم .
نجد في دولهم العدل , والإحسان وسيادة القانون وملجأ الضعيف , بهذا سادوا الأرض , وهذا يذكرني بقول رَسُولَ اَللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " تَقُومُ اَلسَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ اَلنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لَئِنْ قُلْتُ ذَلِكَ، إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالاً أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ اَلنَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ, وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ, وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ, وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ, وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ اَلْمُلُوكِ"
هذا ودينهم يحثهم على إعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله , بينما  ديننا يحثنا على كره الظلم , بل ويطلب منا  أن نغير المنكر , في قوله تعالى " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ " فربط خيرية أمتنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر,
فأي منكر اشد من ضياع القدس الشريف , وأي منكر اشد من استعباد الخلق وقد كرمهم الله سبحانه وتعالى , وأي منكر أشد من الرشوة وسرقة مال الدولة ودخل الأمة , وأي منكر اشد من حجب وسجن وقتل وتعذيب من بناصح الأمة و ولي الأمر , وأي منكر أشد من خيانة الأمة بتولية من يسرقها ويغشها وأن يكون السارق والمرتشي والفاسد فوق القانون وفوق المحاسبة , ولو بقينا نذكر في المنكرات لما كفتنا كتب ناهيك عن سطور .

ديننا يبلغنا على أن خير الجهاد هي كلمة حق عند سلطان جائر , بينما هناك من يوجب علينا أن نعطي ما لقيصرَ لقيصرْ وما للهِ للهْ , ويجعل الحكم تفويض إلهي للحاكم أن يفعل ما يريد دون حساب أو رقابة ,

وبعضهم يأمر أن تكون المناصحة للحاكم في السر , ونسأل من يقول هذا , هل المفاسد الموجودة سرية أم علنية ؟ فأن كانت سرية , فهنا نقول أن المناصحة تكون سرية , أما  المفاسد العلنية , والواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار , فالسكوت عنها يعتبر رضا وقبول , وسيأتي يوما نقول فيه  " وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا "

أتمنى أن أرى علماء الأمة يبتعدون عن الحكام وعطاياهم ورواتبهم , وأن يكونوا أمثال سلفنا الصالح , في نأيهم عن الحكام وابتعادهم عن مجالسهم والاختلاط بهم , فعيب الحاكم قد يصلح , أما عيب العالم فهو قتل للأمة .

ولا ننسى قوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَتَكُونُ أُمَرَاء فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ  كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ، قَالُوا : أَفَلَا نُقَاتِلهُمْ ؟ قَالَ : لَا . مَا صَلَّوْا ) 
أقول إننا نطيع قول رسول الله: "أسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة"، نعم نطيع عبدا حبشيا , كما أمريكا تطيع أسودا من أفريقيا , ولكن تطيعه فقط إذا حكم بقوانينها وبدستورها , ونصح رعيته وبذل جهده لهم .
اللهم ولي أمورنا خيارنا و لا تولي أمورنا شرارنا , اللهم ولي علينا من يخافك و يرحمنا و لا تولي علينا من لا يخافك و لا يرحمنا .
وعلى دروب الحرية والكرامة نلتقي .
صالح بن عبدالله السليمان

هناك تعليقان (2):

  1. ماذ تسمي هذه المقالة ؟ رأي شخصي ؟ فتوى ؟ اجتهاد ؟ نقل حرفي لاجتهاد آخرين أم بتصرّف ؟

    ردحذف
  2. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته:

    لدي تعليقان على المقال، أحدهما شكلي بالنسبة لي على الاقل، و الآخر موضوعي.

    التعليق الشكلي:
    إن الكتاب المقدس يقول "أعطو ما لقيصر لقيصر و ما لله لله" هو و أن كان ثابتا في هذه النسخ التي بين ايدينا من الكتاب المقدس إلا أنها مقولة لا تصمد أما النقد الموضوعي، فقد ثبت أنها خبر مكذوب دست في الكتاب المقدس في عصر متأخر كأحد مداخل العلمانية لأوروبا. كما قرر ذلك الدكتور سفر الحوالي في كتابه "العلمانية نشأتها و تطورها و أثرها في المجتمعات الإسلامية". فهي كما قلت لا تصح نسبتها لكلام عيسى علية السلام لأنها و ببساطة كلمة ظاهرها الشرك الصريح. و لكن و بما أنها أصبحت ثابتة في نصوص الكتاب المقدس "المزور" فلا بأس بالاستدلال بها، على الرغم من أن أغلب المسيحيين لا يتخذون من الانجيل مرجعا. ناهيك عن العلمانية التي تحكم بها كل الدول المسيحية دون استثناء، و هو ما يعني تحييد الدين عن مسائل السياسة و الحياة العامة. فلا ينبغي أن نستغرب عندما يخلفون إنجيلهم.

    التعليق الموضوعي:
    مسألة طاعة و لي الأمر.

    يا لها من مسألة عظيمة، ممرنا بعدة تجارب في مدينتا منذ سنين و خلال فترة الثورة و حتى بعدها، في نقاشات فكرية مع هؤلاء الذين يعتبرون طاعة و لي الأمر هي الدين كله، و يشنعون علينا إن لم نعقد الولاية "للصقر الوحيد" و يرهبوننا بكل ما أوتوا من بيان بسوقهم لأحاديث البيعة، و أنه لا يجوز للمؤمن أن يبيت الليلة و ليس في عنقه بيعة، و أن من مات و ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، و أنه لا يجوز نقض البيعة و إن أخذ مالك و جلد ظهرك!!!

    سأسوق ما واجهته من حجج و طرائف خلال هذه المناظرات.

    1- عقد أخوتنا هؤلاء الولاية للكافر. نعم صدق أو لا تصدق. فمنهم من أحتج بحديث " و لو تأمر عليكم عبد حبشي" بأنه ما دام عبدا حبشيا فلا بد أن يكون كافرا؟؟؟، و منهم من ذهب إلى القول أن "الفلسطينيين الذين يعيشون الآن في فلسطين عليهم عقد البيعة لشارون، لأنه هو الحاكم الذي غلب على الحكم و ليس لهم من خيار إلا مبايعته" لأنه دين الله و لا شك.

    2- تمسك أصحابنا بالبيعة للقذافي و نادو بالويل و الثبور لمن يخرج عليه، رغم علمهم من علمائهم أنه كافر. و هو لعمري متسق مع قولهم بولاية الكافر.
    3- إمعانا في طاعة و لي الأمر "الكافر" قام أصدقاؤنا بصيانة و طلاء مقر الأمن الداخلي أحد أهم رموز نظام القذافي، و عندما كلمناهم قالوا أن هذا من واجبهم طاعة لولي الأمر!!!! و لكن عندما هلك ولي أمرهم، عادول فقالوا أنهم فعلوا ذلك سياسة، فإن غلب القذافي لم يصبهم شره، و إن غلب الثوار دخلوا في دا دخل فيه الناس.

    مما لا شك فيه أن من يتبع مقولة إنجيل متى "أعطو ما لقيصر لقيصر و ما لله لله" يحقق العلمانية الحقة أفضل حتى مما يتمناها مخترعوها. و لكن ماذا تقول فيمن يعتبر دستوره المفضل قوله "من السياسة ترك السياسة" أليست هذه هي روح العلمانية؟ مع علمنا أن من يقولها هم أصدقاؤنا الذين عقدوا الولاية للكافر أيام الثورة، وهم نفسهم من يجلسون في الصفوف الأمامية بعد إعلان التحرير؟؟؟

    أحمد المرخي.

    ردحذف

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال