الأحد، 22 يناير، 2012

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحق


الدين والسياسة , لطالما سمعنا هذه المقارنة , أو هذا الجمع أو أسمه ما أسميته , ولكن عند الدخول فيه نرى العجب العجاب , فهنالك من يضع الدين والسياسة في طرفي نقيض , بينما هنالك آخرون يضعون الدين والسياسة في اتفاق .

ولكن الحقيقة ليست مع هذا أو ذاك , فالدين هو منهاج حياة . وطريق للجنة , ويحتوي على القواعد العامة التي يجب أن نتمسك بها . والملاحظ إن الشريعة تفصل كثيرا في الأمور التي تهم الفرد المسلم بينما تعمم في أمور الدولة والحكومة , فتكاد تغطي عمل اليوم والليلة للفرد , ولكن عند تناول الحكومة يعطينا فقط أمور عامة , وقواعد شاملة , وهذا ليس نقصا في الدين , ولكن لأن هذه القواعد تترك المجال مفتوحا أمام التطور الإنساني .  ولأن السياسة في المنظور الإسلامي هي إجراءات وآليات لسياسة دولة , فهذه الآليات والإجراءات يضعها الإنسان, ولنضرب أمثلة .



الدين لم يبين لنا كيف نختار الحاكم , وكيف نختار أولي الحل والعقد , ولم يبين لنا كيف يصدر الحاكم قراراته وكيف توضع سياسة الدولة , ولم يبين لنا آليات محاربة الفساد في كل مفاصل الدولة سواء رسمية أو خاصة , ولكنه وضع لنا قواعد عامه ,
وضع الشرع لنا قاعدة الشورى والمشاورة ولم يضع لنا آليات الشورى , فالشورى في دولة صغيرة مثل المدينة المنورة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم غير الشورى اليوم في دول مترامية الأطراف . وأيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ووسائل الاتصال والمواصلات في أيامه مقارنة بأيامنا هذه . فلكل عصر آليات مختلفة حسب الممكن والمتوفر .
والآيات الكريمة أمرتنا بأمور , مثل (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) و قوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) . هنا نجد أمرا عاما بالأمر بالمعروف  والنهي عن المنكر , 
هنا لم يبين ما هو المعروف وما هو المنكر , فتركت لنا نحن البشر لتعيينها ,  ولكن بقواعد محددة , فالمعروف هو" العدل " والمنكر هو  " الظلم ".
كل ما هو ظلم للإنسان في نفسه أو ماله أو أهله أو وطنه فهو منكر , وكل ما هو عدل للإنسان في نفسه أو ماله أو أهله أو وطنه فهو معروف , قواعد عامة هي المقياس , أما الآلية فذكرت أيضا في أحاديث مثل ( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) -  أخرجه مسلم
وهنالك أحاديث اكثر تتكلم عن ظلم الوطن وظلم الإنسان وتجعل الوقوف ضده من أعظم القربات ,  بل وتجعل العقوبة شاملة الأمة كلها لعدم الوقوف ضد الظلم فمما رواه الترمذي إن رسول الله قال  ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب ) . والحديث الصحيح ( أفضل الجهاد كلمة عدل ( وفي رواية : حق ) عند سلطان جائر ) .
إذن هذه هي القواعد العامة , تختلف آلياتها حسب الزمن والتطور والأدوات الموجودة ,
كان الحاكم المسلم في أيام عمر بن الخطاب يجوس خلال الديار ليسمع شكوى الناس , ويستقبل مندوبين عن الأمصار , وكل من يزور المدينة المنورة من أهل الثغور والأمصار ليسمع شكواهم , وكان هذا أفضل المتوفر في وقتهم ,
ثم وضع البريد , فكان البريد يحمل شكاوى الناس من ولاتهم وكان ولي ألأمر يستمع لهم , ويقرأ بريدهم , وكان لشيوخ القبائل وعلماء المسلمين مكانة ودور في ذلك , وأيضا كان ذلك الأفضل في زمانهم , وحتى لا نغرق في الماضي .
تغير الزمان , وظهرت وسائل جديدة , وسائل مثل الصحافة والتدوين والبريد الالكتروني و الفيسبوك و تويتر , وغيرها .
هذه يجب أن تعامل وتفعل فهي أساليب العصر , والسبل العصرية لفضح الظلم والظلمة , والخطأ والمخطئ والفساد والمفسد .
ولكن للأسف , تقوم حكوماتنا العربية بمعاقبة الذين يتكلمون يريدون الإصلاح , بالسجن والتعذيب , والنفي والتشريد ,  وينسى الحاكم وحكومته , أن هذه آليات العصر في سبيل تحقيق العدل وإزالة الظلم , هذا هو التطبيق الحقيقي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , فليس المنكر" فقط  " زنى وشرب خمر وتعرض للنساء في الطرقات , بل هنالك منكر اكبر منه وهو الفساد الحكومي وسرقة المال العام , والرشوة , وارتفاع البعض فوق القانون , وإفلات الحاكم وأسرته و أبناءه  وحاشيته من المسائلة القانونية في سرقة المال العام , ونهب أموال الدول ومقدراتها , وفي الإثراء الفاحش على حساب الأمة .

نقول لعلمائنا , كونوا كأبي ذر الغفاري وكسعيد بن جبير وكالعز بن عبدالسلام ,وكثير من أمثالهم , علماء ربانيون ,   فأن افتخرتم بإتباعكم للسلف , فكونوا أتباعا حقيقيون لهم , أتباعا في الفكر والمنهج , وليس في الأدوات فالأدوات تختلف باختلاف العصر .

أذكر إني كنت في درس من الدروس في احد المساجد , وكان الشيخ يعلم الناس زكاة الأنعام , ويقول في الإبل كذا وفي الغنم كذا والبقر كذا , قمت للشيخ أسأله , يا شيخنا , إن الحاضرين كلهم هم وأهلهم من ورائهم , أهل مدينة , لا يعرفون الغنم إلا في عيد الأضحى يشترون أضحية , فهل ينفعهم درسك ؟
نحتاج أن يعلّم الناس كيف يرفضون الظلم المستشري , والفساد المتأصل , كيف يكونون مسلمين حقا , يأمرون بالمعروف وينهون على المنكر بحق , هذا ما نحتاجه , أما الأنعام فيمكن لمن يملكها أن يسأل فقيها عن زكاتها  وعددهم لا يزيد عن واحد بالمليون من الشعب , بينما كل الشعب يعاني من فساد , المسئول في البلدية والوزارة وغيرها من مفاصل الدولة .

يجب أن نحدد مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وأن نضع له تعريفا يناسب العصر , ويناسب الحاجة .
فلا نلاحق شابا يغازل امرأة في الشارع قبل أن نلاحق من وضعه في الشارع وحرمه الوظيفة ,
يجب أن لا نلاحق صانع للخمر قبل أن نلاحق من ادخله للبلد وأطلقه وترك له الفرصة لصناعة الخمر ,
لا نلاحق شابا في خلوة مع فتاة قبل أن نلاحق الذي حرمه من منزل يتزوج فيه ويستر نفسه وتلك الفتاة , يجب أن نعالج الداء العام قبل أن نعالج أعراضه .
وعلى دروب الحرية والكرامة نلتقي
صالح بن عبدالله السليمان


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال