الثلاثاء، 5 يونيو، 2012

بئس الأغنية وبئس من غناها

 كنا في النصف الثاني من القرن العشرين , نضع كل مصائبنا  , وتخلفنا , وجهلنا, وفقرنا , على الاستعمار , فلقد كان الاستعمار هو " اللهو الخفي " كما يقول إخواننا في مصر الكنانة ,  ثم أضيف إليه الرجعية العربية بعد ظهور دعاة القومية العربية , وظهور بداية النزاعات العربية- العربية .
كان حكامنا يخطبون فينا يسبون الاستعمار وشروره , ويحملونه كل أوزار الأمة , وكل أسباب تخلف الأمة , وكل الإحباط الذي تعاني منها الآمة .

وبعد فترة , ظهرت وسائل الإعلام الحديثة , قنوات تلفزيونيه لا تحدها حدود , ولا تحتاج إلى رخصة من رقيب إعلامي , فضاء مفتوح حر كحرية الطير لا يحتاج لتأشيرة سفر , ولم تعد مقولة الاستعمار وشروره منطقية وواقعية , فمرور اكثر من نصف قرن على تحرر البلاد على أيدي " محرريها " الأفذاذ المخلصين والمخلّصين ما زلنا نعاني من نفس المشاكل , بل وزادت سوءا , وانعدمت حتى الحريات التي كان المواطن ينعم بها في الحقبة الاستعمارية , والمباني التي أقامها المستعمر والمنشئات تعرضت للتقادم والاستهلاك . فأصبحنا بحاجة إلى عذر آخر , ليس الاستعمار , فالاستعمار قد ولى .
ظهرت لنا حجة جديدة وعذر جديد , وهي "التدخل الأجنبي , والأطماع الأجنبية" , نسمعها في التلفزيون , ويحذر منها الكتاب ويحللها المثقفون , يخوفننا من التدخل الأجنبي والأطماع الأجنبية . كل تخلف نعاني منه هو بسبب التدخل الأجنبي , وكل كبت للحريات هو لقمع الأطماع الأجنبية .

الغريب أن بلادنا العربية فقيرة بالمقاييس العالمية , فميزانية شركات يابانية مثل متسوبيشي أو  غيرها تزيد عن ميزانيات دول عربية كثيرة , بل ومن دول محسوبة من الدول الغنية . أليست اليابان مثلا معرضة للأطماع الأجنبية ؟ أليست ماليزيا وتايوان كذلك ؟ أليست جنوب أفريقيا معرضة لنفس الأطماع ؟
لماذا نحن فقط نتعرض للكبت والقهر والفقر والظلم , لحمايتنا من التدخل الأجنبي والأطماع الأجنبية ؟

سؤال أفكر به كلما زرت أحد هذه البلدان .

هل هي فزاعة ؟ أم هي حقيقة ؟
نعم , لكل دولة في العالم مصالح في أي دولة أخرى , تزيد أو تنقص , وتعمل حكومة وقادة كل دولة على حماية مصالحها , في الداخل والخارج , ولكن ليس بالقمع والظلم , بل بالتقنين , وهذا بالضبط ما تقوم به الصين وأمريكا , فللصين مصالح في أمريكا ولأمريكا مصالح في الصين , ورغم الخلاف الفكري والاختلاف في العقيدة السياسية , ورغم حرب فيتنام ولاوس وكمبوديا وكوريا الشمالية , ورغم الخلاف حول تايون , وهي خلافات عميقة , ولكن مصالح الدولتان مستمرة ولكنها مقننة , بمبدأ تبادل المصالح .
لم نسمع عن أمريكي سجن لأنه يرعى مصالح الصين في أمريكا , ونجد الصين تقنن المصالح الأمريكية في الصين , وتحد من حرية جووجل في الصين على سبيل المثال , فالتقنين هو المعالجة وليس كبت حرية كامل البلد وكل الوطن من أجل حمايته من الأطماع الأجنبية .
والمضحك المبكي , أن حتى في بلدان الربيع العربي , أصبحنا نسمع مقولة التدخل الأجنبي , والأطماع الأجنبية .
الدول مصالح , وتبادل مصالح , وكلما كانت دولنا لديها قوانين تحمي مصالحها وتقنن مصالح الدول الأخرى , فلن نجد شيئا أسمه أطماع خارجية , ليست قوانين قمع , بل قوانين تبادل مصالح .
الأطماع الخارجية والتدخل الأجنبي هي فزاعة , نقيمها لأننا  لا نستطيع أن نحدد علاقاتنا ببعضنا , لا نستطيع أن نتوافق في ما بيننا , ولا نستطيع أن نضع أولوياتنا الوطنية . فأصبحنا نكرر نفس الأغنية القديمة , التي كانت تغنيها الأنظمة السابقة , وأصبحت مقبولة لدي عامة الشعب لكثرة تكرارها ولكن بئس الأغنية وبئس من غناها, ليصدق فينا قول الشاعر
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه

اختلافنا , وعدم وضع أولياتنا , وعدم فتح قنوات حوار وطني حقيقي , وأكرر " حقيقي" وليست تجمعات في الخطابة الوطنية , ورفع شعارات براقة , بل حوار وطني حقيقي , توضع   المشاكل التي بين أطياف المجتمع , وتناقش , وتوضع الحلول المنطقية , وليست الأحلام والأفكار الرومانسية , والكلمات المطاطة , بل حلول تلمس أرض الواقع , وترضي الكل , وتصبح عملية تبادل مصالح ومحافظة عليها , وتوضع القوانين التي تحمي هذه المصالح المشتركة , ويكون الأمر شفافا واضحا للجميع , هذا هو دائنا الحقيقي .
وعندما نعالج هذا الداء , تنتهي المشكلة , ومن أراد أن يمثل مصالح أمريكا أو ألمانيا أو فرنسا أو الصين في الوطن فحيهلا , وتكون تحت ضوء النهار , وضمن مصالح الوطن , فالذي يمثل مصالح أمريكا في الوطن سيكون مجبرا على ضمان مصالحنا في أمريكا , سواء تجاريا أو اقتصاديا أو سياسيا , وكذلك في اليابان وكذا في روسيا .
لننقل علاقتنا الدولية إلى الضوء , وتحت أشعة الشمس , ولا يكون هذا إلا بحوار وطني. وبتفاهم وطني وبأولويات وطنيه , 
هكذا هي العلاقات الدولية , ونسمي هذه المجموعات بجماعات ضغط ,
فلننهي مقولة التدخل الأجنبي , ولننهي مقولة الأطماع الأجنبية , ولنبدأ بمصطلح حقيقي  , وهو "المصالح المتبادلة" ,
أعلم أن المواطن العادي لا يمكنه عمل هذا , ولكن على المواطن العادي أن يقرأ ويفهم المعنى الحقيقي لقول . التدخل الخارجي والأطماع الخارجية ,  فالمعنى الحقيقي لها , هو أن الحكومة والساسة والنخب والقادة أضعف من أن يتكلموا بالمصالح الوطنية , وأضعف من أن يقننوا المصالح الخارجية , وأضعف من يتعاملوا مع بعضهم , بل وأضعف من أن يحموا الوطن , فيلقون بالتهم .
انه عالم المصالح , فإذا لم تستطع حماية مصالح وطنك وتقنين مصالح الآخرين , والجلوس على طاولة الحوار الوطني وطاولات الحوار الخارجي , فيجب أن ترحل , ولتدع غيرك يتحمل المسئولية .
هذا هو دور المواطن , أن يرحّل هؤلاء , ويأتي بمن هم اقدر على هذه المسئولية .
هكذا نكون قد خطونا خطوة في سبيل حماية حريتنا وكرامتنا وكرامة وطننا ,
وعلى دروب الحرية والكرامة نلتقي
صالح بن عبدالله السليمان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال