الأحد، 25 ديسمبر، 2011

كلمة في السحر


 بسبب انتشار أخبار وقرائن  استخدام القذافي وأعوانه للسحر , وانتشار ظاهره تصديق السحر في المجتمع العربي , بل وحتى المجتمعات الأوربية والصينية واليابانية ,
تأتيني من إخوتي وأخواتي القراء عدة أسئلة حول السحر , وكنت اكره الرد عليها , ولكن لكثرتها , ولوجود خطأ كبير في النظرة للسحر في القران الكريم , خطأ منهجي , استعنت بالله وقررت أن أبين الخطأ المنهجي في فهم السحر الوارد في القرآن الكريم .


أول ما يقوم به الأخوان هو إثبات وجود السحر لأنه ذكر عدة مرات , فذكر سحرة فرعون , وذكر قصة الملكين ببابل هاروت وماروت . وذكر اتهام مشركي قريش للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر .
هكذا اثبتوا وجود السحر , ومعهم كل الحق في هذا ,
ولكنهم بعد ذلك ابتعدوا عن هذه المنهجية , في تحديد معنى السحر , فاستعمل في إيجاد الكنوز , وتغيير الواقع إلى واقع آخر , وفي الكثير والكثير , من جلب محبوب و معرفة الغيب وغيره . وهنا وقعوا في الخطأ , فلو استمروا على نفس المنهجية القرآنية التي بدئوا بها لوجدوا أن لا دليل على كلامهم , إلا روايات وخرافات وقصص لا تصمد أمام البحث والتمحيص العلمي البسيط , ولا أقول الدقيق

فالسحر في القران الكريم ذكر في شيئان فقط ,

الأول , سحرة فرعون , وقد بين القرآن الكريم نوعية سحرهم , بصريح العبارة والتي لا لبس فيها , فيقول الله سبحانه وتعالى , {سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ...}
, وفي آية أخرى يقول ربنا جل وعلى {... فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى،..}

إذن المذكور هنا هو خيال , وتخيل ’ لا يمت للواقع بصلة , فهو سحر الرؤية , وليس سحر الواقع , فالسحرة لم يغيروا واقع الحبال , بل جعلوا الناس يرون أن الحبال تسعى كالأفاعي , ومثل هذا السحر ينجح بسبب قصور في طبيعة العين البشرية . فالعين البشرية  قاصرة ونرى الكثير من الصور والرسومات , ورؤية السراب  وغيرها , كلها أنواع من الخيال .

أما الثاني فهو , سحر الملكين ببابل هاروت وماروت , الذين قال الله فيهم في محكم كتابه ,  {... فَيَتَعَلَّمُون َمِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ..} , وهذا ما نسميه سحر الإحساس والشعور , ويختص السحرة بالتفريق وليس بالجمع , بالكره وليس بالمحبة , لأن الكره بسيط , فيكفى تغيير شكل الإنسان في خيال الإنسان لكي يبدأ في كرهه , فهذا  أيضا لا يرتبط بتغيير واقع بل بتغيير شكل أو إثارة شعور بمختلف الطرق .
وهكذا نعلم أن السحر موجود في القرآن الكريم , وهو نوع من الأفعال تعتمد على الخيال وعلى الشعور السيئ , ولا علاقة له بما ينسبه الكثيرون للسحر , من قدرات فائقة .
وهكذا كنت أتمنى أن يواصل المحتجين بوجود أنواع السحر الأخرى على نفس المنهجية التي اتبعوها في إثبات السحر .

 ويورد بعض من معتقدي السحر , وبأنه يفعل العجائب ويغيّر الواقع , بعض الأحاديث عن أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سحر , بينما اذا دققنا في الحادثه نفسها , نجد انها تؤيد ما ذهبنا إليه أن السحر إنما سحر تخيل وليس سحر واقع , فقد روى البخاري و مسلم واللفظ للبخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : " سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- رجل من بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم ، حتى كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخيّل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله ، حتى إذا كان ذات يوم - أو ذات ليلة - وهو عندي ، لكنه دعا ودعا ، ثم قال : يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه ، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجليَّ ، فقال أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل ؟ فقال : مطبوب ، قال : من طبه ؟ قال : لبيد بن الأعصم ، قال : في أي شيء ؟ قال : في مشط ومشاطة ، وجف طلع نخلة ذكر ، قال : وأين هو ؟ قال : في بئر ذروان ، فأتاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ناس من أصحابه ، فجاء فقال : يا عائشة كأن ماءها نقاعة الحناء ، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين ، قلت : يا رسول الله ، أفلا استخرجته ؟ فقال : قد عافاني الله ، فكرهت أن أثوِّر على الناس فيه شراً ، فأمر بها فدفنت " .

فلم يتغير من الواقع شيئا بل كان صلى الله عليه وسلم يخيّل إليه انه فعل شيئا ولم يفعله .
ثم هنالك سؤال , أسأله دائما لكل من يحدثني عن أنواع السحر الأخرى ,
لماذا يعمل الساحر لصالح الآخرين ؟ لماذا لا يعمل لصالح نفسه ؟ وكما يقول المثل الشعبي " جحا أولى بلحمة ثوره " , لماذا نجد الساحر من أفقر الناس وأنكر الناس ؟
وأخيرا , أقول أن السحر موجود ولكن لا علاقة له بالواقع الذي يعيشه الإنسان , بل هو سحر خيال وتخيل وإحساس وشعور .  وأخر قولي  {... إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ..}

اكرر قولي أن القرآن الكريم اثبت سحر التخيل , وليس السحر الذي يغير واقع . ومن لديه أي إثبات من القرآن الكريم على غير ما قلت , فارجوا أن يبين لي خطئ بالدليل من القران ومن صحيح الحديث الشريف .

يكفي تلاعب المتاجرين بالدين في قلوب وعواطف الناس باستغلال السحر والعين والحسد وما إليها .
صالح بن عبدالله السليمان

هناك 6 تعليقات:

  1. القول الذي ذكرته هو قول المعتزلة أما أهل السنة فيثبتون حقيقة السحر

    ردحذف
  2. عبدالرحمن الدوسري
    هل انكر الكاتب السحر ؟
    لم ينكره بل بين انواعه المذكورة في القرآن الكريم , وهذا هو منهج اهل السنة , اما الذين يتوسعون في السحر اكثر من الذي ورد في القرآن الكريم فهم أهل الزيغ لا أهل السنة

    سعيد الغامدي

    ردحذف
  3. حياك الله شرح وافى

    ردحذف
  4. @ سعد الغامدي
    هو أثبت سحر التخييل فقط ، وانكر بقية الأنواع وهذا قول المعتزلة .
    يقول القرطبي : ... فدل على أن له حقا وحقيقة، فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله على وجوده ووقوعه. وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق. ويمكنك الرجوع لتفسير آية هاروت وماروت

    ردحذف
  5. @ عبدالرحمن الدوسري

    يبدو انك قرأت جزء وفاتك جزء الذي يقول فيه " أما الثاني فهو , سحر الملكين ببابل هاروت وماروت , الذين قال الله فيهم في محكم كتابه , {... فَيَتَعَلَّمُون َمِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ..} , وهذا ما نسميه سحر الإحساس والشعور , ويختص السحرة بالتفريق وليس بالجمع , بالكره وليس بالمحبة , لأن الكره بسيط , فيكفى تغيير شكل الإنسان في خيال الإنسان لكي يبدأ في كرهه , فهذا أيضا لا يرتبط بتغيير واقع بل بتغيير شكل أو إثارة شعور بمختلف الطرق ."

    فهذا سحر الإحساس ,
    لكنك ركزت على سحر التخيل فقط ,

    سعد الغامدي

    ردحذف

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال