الخميس، 29 ديسمبر، 2011

عُمر وثورات الربيع العربي


سيستغرب الكثير عندما اربط سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بثورات الربيع العربي  . فلقد قرأت سيرة سيدنا عمر بن الخطاب ولطالما كانت شغفي , وكان لها مكان كبير في قلبي , وكم من دمعة ذرفتها وأنا اقرأ سيرة هذا الإنسان ,


هذه الأيام أجد نفسي أسترجع سيرته , واجد  سيرته هي ما نحتاج إليه  لمعرفة كيف نقيم الدولة , وعلاقة الحاكم بالمحكوم , وحكم استيراد أنظمة من دول أخرى , ومحاسبة المسئولين وأقرباء الحاكم بالشبهة  وليس بالقرينة .
جميع ما نتحدث عنه ونرجوه هذه الأيام  موجود في سيرته , كأنما كانت السيرة المخصوصة والمخصصة لزماننا . ولنبدأ المقارنة ولنقصّر المقدمة .

نبدأ بعلاقة الحاكم بالمحكوم , لم تكن علاقة خوف ورهبة وشك , بل كانت علاقة في منتهى الشفافية , ومنتهى قبول الرأي وقبول المحاسبة  فيذكر انه عندما وزع ثيابا على المسلمين كان ما وصل لعمر ثوب قصير مثله مثل بقية المسلمين , فوهبه ابنه عبدالله رضي الله عنه ثوبه , وعندما رقي المنبر , قام له شخص من عامة المسلمين وقال له لا سمع لك ولا طاعة , فمن أين لك هذا الثوب؟ , نادى عمر ابنه ليشهد انه ثوبه وهبه لأبية .  هكذا قَبِلَ المسائلة على نفسه , ورضي , لم يقل احد ’ هي ذات الأمير و لا تمس , كما يحدث اليوم , فذات الملوك والأمراء والشيوخ و المشائخ  والرؤساء والوزراء وكل من له ضلع في الدولة أو الحكم لا تمس .
أليست هذه هي الشفافية التي نطالب بها ؟ نسأل الحاكم من أين لك هذا ؟ ويجيب أسئلتنا , ولا يقال عنا دعاة فتنة , ودعاة تفرقة , والفتنة نائمة لعن الله من أيقضها .  
لا أن نجد سجونا تنتظرنا وكهرباء تلسع أجسادنا , أو اقل من ذلك فتكمم أفواهنا ولا يسمع لنا ولا يسمح لنا أن نسمع صوتنا للناس . هذه هي علاقة الحاكم بالمحكوم شرعا , لا أن تكون هناك ذوات فوق المسائلة والحساب .

نثني على مسئولية الحاكم تجاه أمته , مسئولية فردية , لا يحق للحاكم أن يتحجج بالبطانة وفسادها أو بنقص في مخابراته وعدم علمه , فيقول رضي الله عنه  , والله لو عثرت بغلة  في العراق لسألني الله عنها , لماذا لم أمهد لها الطريق . واليوم , نرى الكوارث تنتاب الأمة , والمصائب تقع عليها , ولا مسئول يسأل ولا مخطئ يحاسب , فلقد انعدمت مسئولية الحاكم عن أخطاء عماله وولاته , وانتهى دوره بتعيينهم وتوصيتهم , فما أحوجنا لسيرته في تحمله وإحساسه بالمسئولية رضي الله عنه .

ثم لنأت على طريقته في محاسبة ولاته وعماله وأقرباءه , بمجرد الشبهة وليس بالقرينة , حتى كأنه يطفئ نار شهوتهم  وهي شرارة صغيرة قبل أن تتحول إلى نار تأكل الأخضر واليابس , فينعم اقر باءة وولاته وعماله بسلطانه ويحاسب هو عنهم , فورد انه رأى إبلا سمان فأعجب بها فسأل عن مالكها , قيل له إنها لأبنه عبدالله بن عمر , فناداه وقال له خذ رأس مالك وأدخل الربح لبيت مال المسلمين  وبين السبب بقوله  (الناس حين يرونها يقولون .. ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين.. اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين.. وهكذا تسمن إبلك ويربو ربحك يا ابن أمير المؤمنين) , فقطع الطريق على شبهة التربح بالحكم وعلاقتهم بالحاكم على اقرب الناس له , أبنه . وله في حساب الولاة شواهد كثيرة حتى بلغ به أن قاسم بعضهم حتى فردتي النعل ...
كيف لو جئتنا اليوم يا عمر فمن ستقاسم لن يكفي عمرا فوق عمرك ؟؟

كل هذا كتصرف حاكم مسلم , ولكن سيرته في الدولة الإسلامية كبير , وقد وضع مبدأ فقهيا يندر أن يتكلم عنه احد , وهو جواز استيراد الأنظمة من دول ليست إسلامية , وذلك لمصلحة المسلمين واحتياجهم لهذه الأنظمة ,
فهو قد غير مسمى الحاكم من "خليفة خليفة رسول الله" إلى "أمير المؤمنين" , لصعوبة الأولى وسهولة الثانية , ولم يحتج لجلسات ومؤتمرات وندوات فقهية لتبين له هل يجوز له أن يستبدله أم لا .
كما انه أول من وضع تأريخا للمسلمين و أتخذ التاريخ من هجره رسول الله صلى الله عليه و سلم. لأنه وجد حاجة المسلمين ماسة , ووجد الروم والفرس يؤرخون خطاباتهم , فلم يقل نرقمها أو لا يجوز أن نقلد الروم والفرس , بل رأى مصلحة المسلمين أهم من مخالفة الروم والفرس .  وهو من دون الدواوين , أو ما نسميه اليوم الوزارات أو الهيئات , وهذا تقليد رومي  بلغة به الوليد بن هشام  فلم يقل هو من عمل نصارى الشام فلا نقلدهم .
وهكذا وضع عمر بن الخطاب قاعدة فقهية قّل أن نسمعها , وهو إن احتياجات الدولة المسلمة من أنظمة ووسائل حكم وطرقه ليست من الشرع , بل هي اجتهاد للحاكم والأمة
فأين هو اليوم ممن  يحرمون الديمقراطية و الانتخابات وغيرها من مستحدثات هذا العصر ولو كانت أصولها القديمة أوربية , لماذا يطالب البعض أن تكون الولاية مدى الحياة للحاكم ويعترض على تداول السلطة , والمجتمع العربي يحتاجها , و أثبتت نجاحها في كل دول العالم ما عدا القلة .

متى نعيد اكتشاف تاريخنا ونعيد قراءة سير عظمائنا , لنستخلص منها عبر حقيقية تنفعنا , ولا نقف فقط عند بعض الآراء الفقهية جاز صحتها لعصور مضت , و هنالك أراء أخرى لم تصلح لذلك الزمان ولكنها اقرب لنا في زماننا , بل ولماذا لا نعيد قراءة الفقه السياسي الإسلامي , مع إن الوارد منه قليل , فالذي أومن به انه ليس هنالك شكل محدد للحكومة الإسلامية , بل هنالك متطلبات في الحاكم المسلم , فهي ليست حكومة إسلامية بل هي حاكم مسلم يقود دولة .

كم نحن في حاجة لدراسة سيرة عمر بن الخطاب على ضوء المتغيرات وثورات الربيع العربي .
ورضي الله عنه , فقد قال " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار ""
وعلى دروب الحرية والكرامة نلتقي
صالح بن عبدالله السليمان


هناك تعليقان (2):

  1. شوقتنا أن نعود فنقرأ في سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونراها بعيون مختلفة وقد طرأ على عقولنا ماطرأ من تغير في الأفكار بعد طوفان الثورة. عمر مثال لحاكم عربي عادل زاهد حريص على رعيته، ماأجمل أن تكون هذه السير العظيمة مداداً لفكر المسلم و سكينة لأمواج العقل الهائجة.

    ردحذف
  2. هذه سنة أصحاب رسول الله في طلب الحق والعدل اليوم ينكرونها علينا بل ويجعلون من يطالب بذلك خوارج يستحقون سحق الجماجم

    ردحذف

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال