الأربعاء، 14 سبتمبر، 2011

ثورة في داخل الثوار


قد يخطئ البعض في فهم العنوان , ويظن انه خبر عن ثورة حدثت  بين الثوار أو المطالبة في أن تحدث ثورة ضد الثوار , ولكن هذا ليس مقصدي , إنما قصدت انه مطلوب من الثوار أن يثوروا على أنفسهم , وعلى موروث قديم من عقود , موروث لا يفرق بين الشتم والنقد , وبين النقد البناء والنقد الهدام .

 ثوار مصر وتونس وليبيا , كلهم يحتاجون لثورة داخل أنفسهم , لكي تنجح ثوراتهم وتؤتي أكلها , ولكي تحقق أهدافهم في الحرية والكرامة , ثورة داخل القيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الموروثة في هذه المجتمعات ,

وحتى لا نمعن في العمومية , فالعمومية مدعاة لعدم وصول المعنى ومدعاة لسوء الفهم أو التفاهم , فسأضرب أمثلة بالثورة الليبية التي تعرفت عليها من قرب وعايشتها يوم بيوم وساعة بساعة ,

نرى هذه الأيام  انتقادات للمجلس الوطني الانتقالي , انتقادات لمجمل أدائه  كاملا , أو انتقادات لبعض من هم فيه من أمثال الأستاذ مصطفي عبدا لجليل أو محمود جبريل , أو الترهوني أو غيره ,

كنت قبل اندحار نظام القذافي انهي عن توجيه أي نقد لقادة الثورة وأن توجه الجهود كاملة للجهود العسكرية والسياسية التي ساهمت في  التحرر من سلطة الطاغية ,

إنا أقول وقلتها سابقا , بعد اندحار نظام القذافي , لا يجب السكوت على أي خطأ وحتى إن كان صغيرا أو تافها , لأن الصغير يكبر والتافه من الأمور يعظم , فالنار من مستصغر الشرر , وحتى لا يترك المجال لخروج طاغية جديد من رحم الثورة . يجب أن يوجه النقد وبشكل صريح وعلني لأي مخطئ وان توجه الأنظار صراحة  لأي خطا , هذا حق بذلت في سبيله أرواح ودماء . حق أغلى وأثمن من أن يترك أو أن يوهب أو يغتصب .

ولكن يجب التريث برهة ,  وعدم التعجل في طرح الانتقاد , ومعرفة كيف يجب أن ننتقد , فلا يحق لنا أن ننتقد بناء على شبهة غير موثوق بها , أو كلام مرسل عام لا تفاصيل به , أو حقائق لويت أعناقها حتى تناسب الناقد ووجهة نظره . أو أخبار كاذبة  نقلها مجهول .

يجب أيضا أن لا ننتقد النوايا , فنقول إن فلان ينوى كذا وعلان ينوي ذاك . كان يتهم شخص بأنه ينوي يجعل الحكم في قبيلته , وذاك ينوي أن يجعل الحكم لنفسه , فالحكم على النوايا لا يجوز , فالله وحده يعلم النوايا , ولا ينتقد إلا فعل صحيح الحدوث وفكر صحيح النقل  , وقول واضح الدلالة .

يجب أيضا أن لا نخون أي إنسان إلا بالدليل , فنقول إن فلانا يعمل على استعمار ليبيا وفلان يعمل على العبث بمقدرات ليبيا ونفطها , وفلان يعمل على أن يلغي الديمقراطية ويأتي بجمهورية إسلامية على غرار طالبان أو إيران , فالوطنية ليست حكرا محكورا لأحد , فالكل في الوطنية سواء وفي حب الوطن سواء , لا فرق بينهم في هذا و إنما الفرق يكون في الطريقة التي يراها مناسبة لتحقيق مصالح الوطن .

كما أن الغريب , أن كل من يخرج للانتقاد يتكلم يقول انه يتكلم باسم شعبه كاملا .  كأنه قد أجرى انتخابات أو استفتاء ,  فعلم أن جميع أطياف شعبه , يؤيدون ما يذهب إليه , ويطالبون به , بينما بعض هؤلاء لم يدخل ليبيا منذ سنوات طويلة ويقول ما يقول وهو قد فقد الاتصال بالداخل الليبي , فالناقد يجب أن يتكلم  باسمه هو ويقول انه رأيه هو وليس رأي كل الشعب ولا يملك كل رأي الشعب إلا شخص منتخب منه , فالذي يتكلم اليوم باسم الشعب بكله فهو كاذب .

وهكذا يجب أن يكون النقد , فلا نقد إلا بناء على دليل , ولا نقد بناء على ما نظن انه نوايا , ولا نقد يلغي وطنية مواطن وحبه لوطنه , فهذه الثلاثة نقاط لا يمكن النقد فيها أو حسبها . لأن النقد الذي يستخدم هذه السبل الثلاثة نقد هدام , يولد الشك والريبة بين جموع الناس ويفرق الأمة بين خائن وعميل ومتآمر ومرتشي ومتسلق وراكب موجه وما إلى ذلك من اتهامات بدون أساس سائغ والتي يجب أن يجاوزها الثوار  حتى يحققوا أملهم .

لا أقول لا تنتقدوا , ولكن يجب أن لا يكون النقد هدفا بحد ذاته , أو مطية لمآرب أخرى ومنها تدمير مصداقية مجموعة أو شخص وزرع الشكوك حولهم . وفي هذا خطر كبير

أسلوب النقد ذاته يجب أن يكون موضوعيا , يتسم بالحيادية الحقة , يذكر الحقائق ويبتعد عن الإشاعات , يجب أن يبتعد عن اللغة التحريضية والتشكيكية , وعن إهانة هذا وذاك وإعطاء كل منهم من السباب ما يكفيه مؤنه للعمر كله ,

يجب أن يرقى أسلوبنا للتعامل مع الحقيقة والحقيقة المجردة , وبناء عليها نخرج بالنتائج ونوضح الخطأ ونبين طرق إصلاحه , لا أن نطلق الكلام على عواهنه ,

الصلابي اخطأ , فننقد خطأه لا شخصه , نناقش خطأه ولا نناقش نيته , ونبين خطر , آو خسارة الأمة بإتباع أسلوبه , ولا نشكك فيه كشخص .

محمود جبريل اخطأ , نفعل معه ذات الشيء , لا أن نتكلم عن قبيلة أو مدينة , نبين في ماذا اخطأ , وكيف يكون الصواب ,

الثوار ثاروا على طاغية وإن شاء الله نجحوا في ثورتهم , وإن شاء الله ينجح إخواننا في سوريا واليمن وغيرها , ولكن ألا تظنون أن المفاهيم الخاطئة داخلنا تحتاج إلى أن نثور عليها ؟ ألا تظنون إننا إن لم نثر على المفاهيم الخاطئة لدينا , فسنكون أول معول هدم داخل الثورة , والعائق الأكبر  في طريق بناء الدولة الحديثة المزدهرة

يا ثوارنا , انتقدوا , انتقدوا , لا تصمتوا , ولكن لا تنتقدوا بنفس الأسلوب الذي كان الطغاة وأعوانهم ينتقدون مخالفيهم فيه , فالطاغية ليس البشر فقط , وليس الحاكم وأعوانه فقط , بل الطاغية الأكبر هي المفاهيم الخاطئة . والطرق الملتوية .

وهنالك ملاحظة  في نفس السياق أود أن تروها . فمن ملاحظتي انه بعد سقوط نظام القذافي , اختفى مؤيدوه من المشهد , اختفوا ولكن عادوا ولكن بوجه آخر وشخصيات أخرى , ودخلوا كثوار , يلعنون القذافي ونظامه وأزلامه , ولكن تجد في المقابل يمسكون أي نقد يوجه لأحد رجالات الثورة سواء المدنيون , فيتهمون قياداتهم بالتبعية لنظام القذافي , ويتهمون الثوار العسكريون بأنهم أتباع القاعدة ,
تجدهم ضد الإسلاميين في مواقع الليبراليين , وضد الليبراليين في مواقع الإسلاميين , يشتمون هذا وذاك ويحرضون هذا على ذاك , لا يستفيد من النقد السيئ إلا هم , فالوطن لا يستفيد ولا ينتفع بمثل هذه المهاترات سوى الفرقة  والتنازع .

أيها الثوار , ثوروا على  مخلفات الطاغية ونظامه داخلكم , وعندما تنجح ثورتكم على أنفسكم , فأن شاء الله , تكونون قد ضمنتم نجاح الثورة الكبرى .

أرجوا أن تكونوا قد استوعبتم قولي  إننا نحتاج إلى ثورة داخل الثوار وليس إلى ثورة ضد الثوار .
وقى الله شعوبنا الخطر والأخطار , ونصر الله أهلنا والمخلصين من امتنا .
صالح بن عبدالله السليمان
كاتب مسلم عربي سعودي


هناك 6 تعليقات:

  1. مقال رائع ونحن بحاجة إلى فهم ثقافة النقد ...ويجب أن يتم التركيز عليها الآن خصوصا وإن أناسا محسوبين على الطبقة المثقفة والمتعلمة من الشعب الليبي وقعوا في هذا الفخ بنية إصلاح الوطن ...

    ردحذف
  2. المشكلة اخي ان نحن لم ننتقد في البداية علشان ما يصير فينا كيف اليمن ونستطيع تكوين مجلس انتقالي وبعد ان استقر لنا الامر ودعمنا المجلس ليحصل على اعترافات ولما خرجت بنغازي من جديدلتقول لمحمود جبريل نريد اشخاص محترمين فالحكومة المزمع تكوينها قال في خطابه الشهير لماذا لم تنتقدوا من الاول وطغى وتكبر ولما دعاه ابراهيم صهد وعاطف الاطرش وعلي الصلابي لقبول النقد او الاستقالة قامت الدنيا ولم تقعد بل حتى مصطفى عبد الجليل عاقب بنغازي بقوله ان البيضاء مدينته هي شرارة الثورة ضاربا عرض الحائط بوثائقيات القنوات الفضائيات واتصال ابناء بنغازي بالعلم الخارجي منذ 15 فبراير ان انقذوا بنغازي في خطاب وصف بالتاريخي لعبد الجليل ، اليوم نحن امام واقع قاس ان لهم انصارهم حتى في بنغازي نفسها صنعوهم بالمال الذي فك تجميده لاطعام الشعب في حين نعيش منذ7 اشهر علي التبرعات والماساة ان اكثرها من جبهة انقاذ ليبيا برئاشة ابراهيم صهد والله المستعان

    ردحذف
  3. بارك الله فيك علي هذه الرؤية الجميله

    ردحذف
  4. إن ما يحدث في الساحة الليبية بعد تحرير العاصمة يدعو للإحباط والحزن , فثوارنا مازالوا في الجبهات يضحون بأنفسهم في سبيل الله وفي سبيل الوطن ومع ذلك نجد صراعاً على السلطة وتخوين للمجلس الإنتقالي وللمكتب التفيذي , النقد يجب أن يكون لسياسة المجلس وليس للإشخاص بدون اثباتات او ادلة فهناك ما يعترض على جبريل لإنه من قبيلة ورفلة !! ونحن في ثورتنا المباركة قلنا تكرارا ومرارا لا للقبلية وقبيلتنا ليبيا واذا كان هناك أشخاص مواليين للقذافي فلا يمكن تحميل الأخرين وزر اعمالهم او مواقفهم , نحن نحتاج لمزيد من الوعي والصبر وتعلم النقد البناء , وعلينا ان نضع مصلحة البلاد فوق أهوائنا الشخصية , حفظ الله ليبيا وبارك الله فيك يا أستاذ صالح .

    ردحذف
  5. فعلا كلام لا غبار عليه و للاسف هدا ما نعاني منه الان انها عقدة العقيد لمدة 42 سنة تنقصنا تقافة الاختلاف و تقافة النقد..

    باركة الله فيك استاد صالح و انا متابع ليك من فترة وجيزة..

    شكرا

    ردحذف
  6. انا الاخ تيسير من ليبيا

    http://taissear.blogspot.com/

    ردحذف

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال