الجمعة، 9 سبتمبر، 2011

إشكالية الفكر العربي والتحرر (2/3)

تكلمت في الجزء الأول  عن أهمية ثورات الربيع العربي وكيف ستؤثر في العالم كله وليس في وطننا فقط . وذكرت أن من حق الشهداء والجرحى ومن حق الدم والعرق والجهد والتضحيات التي قدمها  الثوار أن نضمن لثورتهم الحد الأدنى من النجاح . 

تكلمت أيضا أن هذا النجاح يلزمه فكر , والفكر في عالمنا العربي مصاب بآفات بسبب سنوات التخلف والقهر والظلم والاستبداد , ومظاهر هذه الآفات كثيرة , استعرضت في المقال السابق بعض منها ,  وهي  الجزمية الفكرية  , عدم التفرقة بين النقد والشتم , النقد بناء على نظرة الآخرين , ملكية الصواب , عاطفية التفكير  , التسرع والارتجال .
 أعلم أن الحديث عن الفكر قد يكون ثقيلا على البعض , ومكروها للبعض , ولكن أهميته تدفعني للبحث به ومحاولة تبيان أخطائه ومظاهر الفساد فيه  , وأعذروني إن أثقلت عليكم , ولكنه حق للشهيد والجريح , حق لمن وضع روحه على كفه وقدمها هدية لحرية وطنه , فلا اقل من أن نحاول إزالة العوائق أمام تحقيق حلمه .
من آفات الفكر لدينا في عالمنا العربي  :-

1. إتباع الهوى , فالهوى يعني تغييب العقل أو إغفال بعض الحقائق التي لا تناسب أهوائنا , وقد نحرفها أو نشكك فيها , بينما لو نظرنا إلى الحقائق بعين مجردة لرأينا فيها الصواب , ولكن مصيبة هذا الصواب انه يخالف ما نهوى , واقرب مثال إلى ذلك في الفكر الإسلامي هو النزاع القائم على نوعيه الحجاب , نزاع حبرت فيه الآلاف الكتب والكتيبات , وملايين المقابلات والنزاعات , بين القائلون بضرورة حجب الوجه والقائلون بغيره ,ونجد أن كل فريق يؤيد الموروث في مجتمعة  وكل واحد  منهم يسوق دليله , وكلها أدلة صالحة ويتبناها من لا نشك في دينه , تحول من اختلاف فكري إلى أشياء أخرى لا أود الخوض فيها , ولم يحدث أن قبل أي فريق بدليل الفريق الآخر , ولم نحاول أن نجعل من الاثنين مقبولا اجتماعيا , وان احدهما أفضل من الأخر , بل وعلى الأغلب تحولت إلى صح وخطأ , وكذلك في الفكر الليبرالي , نجدهم يسوقون أدلة من التاريخ الإسلامي وليس من الدين الإسلامي , يحاولون أن يسقطوا أخطاء التاريخ على الدين وليس على العوامل الأخرى , وبعدها ينطلقون بالنتيجة التي يهللون لها , أن الإسلاميون ظلاميون , ولو تجرئوا ونظروا إلى الدين نفسه لرأوا فيه أدلة قاطعة على الحرية الفكرية , كقول الله سبحانه وتعالى " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " فإذا علمنا أن الإيمان والكفر هما أهم عناصر الحياة بالمنظور الديني , ومع ذلك أبيح فيه الاختلاف , فغير ذلك ادعى للإباحة . 

2. غياب العدل , فخطأ الرجل مغفور وخطأ المرأة مضخم , وخطأ المدير أو المسئول  مسموح به وخطأ العامل أو الموظف الصغير كبيرة من الكبائر توجب العقاب , رأي المدير صواب حتى يثبت العكس . ورأي العامل خطأ حتى يثبت العكس , رأي من نحب صواب ورأي من نكره خطأ , خطأ من نحب غير مقصود وخطأ من نكره مقصود وبسوء نية . وفي بعض المجتمعات التي فيها تباين ديني أو عرقي تظهر هذه الآفة بوضوح اكبر , فمن هو من نفس العرق مقبول اكثر من المخالف , ومن يؤمن بمذهبنا أو بديننا رأيه هو الصواب , ومخالفينا رأيهم خطأ ,  فلا عدل لدينا في النظر للصواب والصحة ومعرفة مدى قرب الرأي المطروح أو الفعل منهما , ولا نحاول نقد الفكر أو التصرف واستخراج  نقاط القوة والاستفادة منها ومعرفة نقاط الضعف ومحاولة تقويتها , فلا عدل لدينا في النظر للفعل أو الفكر , وكأن ميزان العدل الفكري ’ ميزان له عيون وأذان ينظر من الفاعل والقائل  وبناء عليه يقرر , 

3. التفكير الشاعري , نحن نحلم وجميل أن نحلم , ولكن أن نعيش الحلم ونرفض الواقع فهذه مصيبة , وكم سمعنا أمثلة كـ " القناعة كنز لا يفني " أو " اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب" وكثير غيرها , هذه دلاله على أن الفكر العربي شاعري اكثر من اللازم , يحب أن ينظر للأمور بنظرة حالمة , كأن المشاكل تحل نفسها , والمصائب تزول من نفسها , نؤمن بالغيبية في الأمور إلى حد كبير , فغدا أحسن من اليوم بطبيعته , وليس بجهد بذلناه في يومنا , ونسينا أن الغد هو نتاج عمل اليوم , يجب أن نحلم ونعمل , وتجد أيضا نقيض هذا الاتجاه في التشاؤم , فغدا أسوأ من اليوم , والمستقبل شر من الحاضر , ونحّن للماضي  ونتمنى الرجوع إليه , ونرتبط بالشاعرية اكثر من ارتباطنا بالعمل , بالعواطف اكثر من الوقائع , بينما نسينا أن الغد والمستقبل مثل الضيف القادم , أن جهزنا له ما يليق به فسيكون اسعد , وان أهملنا الاستعداد , فعلينا أن نتحمل النتائج . 

4. التفكير المركز حول الذات (تضخيم الأنا ) . وسأضرب مثالا واضحا أظننا كلنا رأيناه , إذ  كثيرا ما  نسمع احدهم يشكوا من علة ما , يأتي ليبث ضيقه وحزنه لأصحاب له وأصدقاء , ولكن المصيبة  انك لا تسمع منهم مواساة بل ترى وتسمع أصحابه و أصدقاءه يبدءون بالكلام عن مشاكل مماثلة , فلو قال احدهم  أصبت البارحة بصداع قوي , يرد واحد بأنه أصيب قبل ثلاثة أيام بألم شنيع في الظهر , الذي بعده يبدأ بالشكوى من الآلام المعدة التي يعاني منها , وينطلق الكل يشكوا , ولو قال احدهم لدينا في مديتنا نافورة ضخمة مثلا وبدل أن يناقش عن النافورة وشكلها وارتفاعها وما إلى ذلك , نجد النقاش اتجه نحو "الأنا"   فيقول الثاني وفي مدينتنا شارع كذا وكذا والآخر متجر كذا وكذا , فتترك النافورة التي أتى الشخص لكي يحدثنا عنها وكل يتحدث حول الأنا , بالطبع هذه أمثله , وأتمنى أن يجرب أحدكم ويحاول الحديث مع مجموعة في شي يخصه , سيجد خلال دقائق كيف سيتحول النقاش إلى نقاش حول "الأنا" ويترك محور النقاش الذي بدأ . فلا نحاول الاستفادة مما يطرح في الحديث . ومن ذلك أيضا  أننا إذا سمعنا قرارا يؤثر في  ناحية من نواحي الحياة , نجد انه لا يهمنا ولا نناقشه إلا إذا كان يؤثر فينا تأثيرا مباشرا , ناسين أن أي قرار سيؤثر علينا بصورة ما , فنحن نركز على ما يهمنا مباشرة , نتكلم فيه ونناقش فيه ونهتم له , أما غير ذلك  فلا , واقرب مثال هو الاهتمام بالبيئة أو المعاقين أو ما يماثلها , فلو كنا نسكن قرب مصنع ما فستجدنا نتحدث عن البيئة وأهميتها , والبعيدون لا اهتمام له , ومن عنده ابن أو قريب معاق تجده يهتم كثيرا لهم ولأخبارهم .

5. التواكل الفكري و الاعتماد على القوالب ,  وظهر هذا واضحا في تصدي الكثيرين للموروث الاجتماعي , تجدنا نكره كل جديد يأتي , ظهر ذلك واضحا حينما حارب البعض التلفزيون ثم الانترنت ثم الفضائيات  وهي أدوات , والأدوات واقع حادث , فلا يحكم عليه بحل أو حرمة , محبة أو كراهية , بل يحكم على نواتج تفاعلنا معه , فإذا استخدمنا هذه الأدوات استخداما جيدا فستكون جيدة وإذا استخدمناها بسوء فان استخدامنا السيئ لها لا يعني حكما عليها , ولننظر إلى كميرا الجوال مثلا , فهذه الكاميرا أصبحت من أهم وسائل التوثيق في الثورات العربية , حينما منعت كل وسائل الإعلام من الظهور بينما استخدمها البعض بطرق سيئة , فالحكم على استخدامها وليس عليها , ولكن تواكلنا الفكري على بعض الآراء التي نادت بكفر كل من يستخدم الانترنت , وعدم دخول الجنة لكل من يركب طبق لاقط فوق منزله , وأصبح القالب المعمول به هو " درء المفاسد أولى من جلب المصالح " هو المتبع في تقييم الأدوات وليس الأفعال , بينما هو للأفعال فقط , أخر مجتمعاتنا كثيرا , ولنتذكر حادثه  " البيجر" في الإمارات لنعرف عمق تأثير هذه القوالب وهذا التواكل الفكري .

6. الإيمان  بنظرية المؤامرة . قد  تكون هذه الآفة من اكثر الآفات ظهورا على المستوى الشعبي أو مستوى النخب سواء الإسلامية أو القومية وحتى الليبرالية. فكثير من الأمور نرى أنها فصل من فصول مؤامرة ما , إما مؤامرة من رب العمل أو مؤامرة من أشخاص  ينوون الاستيلاء على شي ما , أو مؤامرة من الناتو ,  أو مؤامرة أمريكية أو غربية أو صهيونية , واذكر أن أستاذا لنا في المرحلة الثانوية , قال نكته , لم اعرف عمقها إلا منذ وقت قريب , إذ قال " لو قلت لكم أن اليوم عليكم اختبار ستقولون مؤامرة صهيونية " . والتفكير بنظرية المؤامرة يجعلنا نحكم على الأمور بمقياس غير واضح , ونبدأ في الحكم بالنوايا , وبالربط بين أمور لا يمكن ربطها عادة , وكما كان يقول حسني البرزان في مسلسل صح النوم  ( والتي مثلها  الممثل نهاد قلعي ـــ رحمه الله) عندما كان يطلق عبارته الشهيرة ''إذا أردنا أن نعرف ماذا في إيطاليا فيجب أن نعرف ماذا في البرازيل'' ولا نعلم إلى الآن ما علاقة ايطاليا بالبرازيل . فتخلفنا مؤامرة , وثورات الشعوب مؤامرة , وتعيين فلان مؤامرة , وإقالة فلان مؤامرة , وكأن العالم نسى كل مصالحه وإشغاله وعلاقاته ويخطط و يتآمر علينا , بالطبع  كل الأمم تخطط لنفسها ومصالحها , وهذا من حقها , وقد تتلاقى المصالح أحيانا وقد تتقاطع , ولكن ليست مؤامرات , بل هي مصالح متقاطعة أو متلاقية , ويجب علينا أن ننسى كلمة مؤامرة , وان نخطط لأنفسنا تخطيطا استراتيجيا , نلتقي من بعض الأمم في نقاط ونختلف في أخرى . ننسي في خضم نظرية التأمر أنها تعطي لمن يتهم بالتآمر قوة ليست ملكه حقيقة , و تعطيه تفوق وأسبقية علينا , ونصبح كالخراف التي تسمن بغرض الذبح  وكأننا  قطيع يتبع المتآمر . ولكن الحقيقة أن الكل يبحث عن مصالحه , ومتى ما تقاطعت مصالحهم معنا فسيقدمون مصالحهم , وهذا من حقهم , بقي علينا نحن أن نعرف مصالحنا ونحافظ عليها سواء على المستوى الشخصي أو مستوى الدولة أو الأمة .

7. توجيه اللوم إلى الآخرين , ففي معظم مشاكلنا نحن أبرياء والآخر هو المخطئ  , فإذا عطلت منا السيارة في الطريق بسبب سوء استخدامنا , فنصب كل اللعنات على الطريق , وإذا تعطلت آلة نستخدمها بسبب تجاهلنا لأصول استخدامها فنصب اللعنات على سوء الاستخدام , وإذا رفع التجار أسعارهم فنصب جام غضبنا عليهم وعلى طمعهم , ولا نلوم أنفسنا لعدم استخدام بدائل أخرى أو نخفف من استعمالنا لها , وإذا  اتلف طريق  ندعو على الغش والفساد والرشوة , وننسى إننا  استخدمناه بسوء , وإذا فشل مشروع ما نجد المسئول عنه يضع اللوم أما على أنظمة أو على جمهور , ناسيا أن التخطيط السليم يجب أن يأخذ جميع العوامل في الحسبان , وكذلك في الحكومة , فالمخطئ دائما هو الآخر وليس نحن , والمشكلة دوما في غيرنا , أما نحن فلم نخطئ ولم نذنب . لا نحاول البحث عن أخطائنا نحن لإصلاحها , فلنعط مثالا واضحا , في العديد من المدن نعاني من الزحام . نسب الحكومة , نسبّ المسئولين , نسب كل من حولنا على هذا الزحام , ولكن إذا نظرنا من القرب , نجد أن الشارع مملوء بآلاف السيارات , وكل سيارة بها شخص واحد , شخص واحد فقط . بمعنى انه لو اجتمع كل مجموعة في سيارة واحده , لوجدنا الزحام قد خف بنسبة تساوي إل السبعين أو الثمانين في المائة . وكل مئة سيارة ستتحول إلى عشرين سيارة فقط  و تخيلوا بعدها كيف سينتهي كابوس الزحام وقت التنقل من والى العمل , ولكن أسهل لنا أن نلعن مشكلة ونحن جزء منها من أن نبحث عن دورنا فيها .

8. الاستسلام للواقع وعدم التضحية , تكلمنا عن توجيه اللوم للآخرين في المشاكل التي نواجهها , وطرحنا فكرة المشاركة في السيارات , بالطبع هذا يلزمه تضحية منا بالبعض من حريتنا , ولكن من سيضحي , لا أحد , ولنستسلم للواقع , فالزحام واقع نلعنه ولكننا مستسلمون له , ويجب على الحكومة إن تجد له حلا , وأنا هنا لا أبرئ حكومة أو مسئول , فلهم نصيبهم ولكن ليس هذا وقته . نجد أيضا أن استسلام الشعوب للظلم سنين طويلة , وعدم استعداد الشعوب للتضحية في سبيل حريتها وكرامتها وحقوقها , كان الرافد الرئيسي لهذه الحكومات للتمادي في الطغيان , فمبارك و القذافي وبشار وعلي صالح وغيرهم كثير . لم يكونوا طغاة أول الأمر . ولكنهم استسهلوا هذا التحول عندما وثقوا انه إذا ضربت واحد فسيخاف البقية , وان جموع الأمة تمشي بجانب الجدار خوفا واستسلاما , تحولوا إلى طغاة ومستبدون , كم كنت اخجل من نفسي وأنا أرى الأمم من اليابان إلى كوريا وتايلاند واندونيسيا واليونان وغيرها يحاربون الظالم ويقفون في وجهه , بينما امتنا تقع تحت ظلم لم تشهد البشرية له مثيلا , تجدنا نائمون , ونقول لمن تشكى , اسكت فـ "للحيطان آذان" , و "الباب اللي يجيك منه الريح سده وأستريح" . و "من خاف سلم" , وغيرها كثير , سواء على المستوى الفردي في المنزل , فالزوجة يجب أن تستلم لظلم زوجها , والعامل يجب أن يستسلم لظلم رب العمل , والمواطن يجب أن يستسلم لظلم الحكومة وجورها . ويصدق علينا المثل الذي يقول " يا فرعون من فرعنك؟ , قال ما لقيت أحد يردني " .

واجد هنا انه وجب علي الاستسلام  فقد أخذت من وقتكم الكثير , ولقائنا مع الحلقة الثالثة حيث سنتحدث عن بعض مظاهر الإشكال في الفكر العربي , 
وجعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
صالح بن عبدالله السليمان
كاتب مسلم عربي سعودي

هناك تعليق واحد:

  1. راااائع جداً أن يُفكر ويكتب العربي المسلم بهذا الشكل .. وعظيمة هي مساندتك لنا أستاذ صالح بن السليمان... شكراً لك
    مع تحياتي .. جميلة فلاق

    ردحذف

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال