الاثنين، 27 فبراير، 2012

غسان بن جدو والربيع العربي


 أرسل لي أخ كريم مقال للأستاذ "غسان بن جدو"  بعنوان " الثورات العربية تنتقل على متن رحلة قطرية " قرأت المقال لأعرف رقم الرحلة التي تتنقل عليها الثورات , فلم أجد , بل وجدت مغالطات وأخطاء , وتجاهل حقائق , بل وتجريح في الكثير من العلماء والمفكرين والثوار العرب , وتمجيد لكل ما هو ليس بعربي أو إسلامي .


الأستاذ غسان يقول في مستهل مقاله " يلومني كثير على تجاهلي لثورات الربيع العربي "  بينما لا أظن انه قد يلام على هذا , بل يلام على هجومه على هذا الثورات , واستخدامه ألفاظ مثل التعفن , والازدراء  , وغيرها من الكلمات , فليته يا أستاذ غسان بن جدو كان تجاهلا , بل هو سب وازدراء . وهنا كان ويكون وسيكون للاختلاف .

الأستاذ غسان  يقول:- " إن موقفه حيال الثورات العربية  انحياز لعقله وقلبه " .
وقد يكون هذا صحيحا , ولا يمكن إلا أن يكون صحيح , ولكن المشكلة , هل ما يفكر به العقل  وهوى القلب نعتبره هو الصواب , ونهاجم المخالفين لعقلنا وهوى قلبنا بأقذع الألفاظ ا, وهنا يكون سؤال؟

تقول يا أستاذ غسان " لكن لا يغفر للثورات فقرها بالفلسفة وغياب الفلاسفة والمفكرين عنها وهم الذين يضيئون ويتوهجون بالأفكار .. والثورات العظيمة يوقدها عظماء وتضيئها عقول كالشهب وتتكئ على قامات كبيرة ترسم بالنور زمناً قادماً بالقرون .. وغياب هؤلاء يسبب تحول أي ثورة إلى مجرد تمرد أهوج وانفعال بلا نتيجة سوى الدمار الذاتي.. "

ويمكن أن أرد على مقولتك بعده ردود تكون اقرب للحقيقة مما أوردته , أولا "كلمة لا يغفر" فمن الذي يغفر ؟ اهو عقلك وهواك ؟ وهذا من حقك  ولن أناقشك فيه فلك حريتك في أن تفكر وتحب وتكره كما تريد , ولكن إن كان قصدك بـ "لا يغفر" هو التاريخ ؟ فهذا لا يمكن أن تقرره أنت الآن . هذا من جهة , ومن جهة أخرى ,  ما هي الخطيئة التي لا تغتفر بالنسبة لك ؟ هل هي غياب المفكرون والفلاسفة عن الثورات ؟ وأسألك هنا , هل أبقى الطغاة أي مفكرين وفلاسفة حقيقيون ؟ سواء بتدمير المستوى الأكاديمي والتعليمي أو بقتل وسجن المفكرين , أو بالترهيب .. أو بالكثير مما لا يخفى على أي مطلع محايد .

ثم انك نسيت شيئا هاما جدا , وهو أن الثقافة والوعي الجماهيري في الشارع العربي اليوم ينتمي لفكر نابع من العقيدة التي يؤمن بها , وأكبر دليل على ذلك هو نتائج الانتخابات التي قامت في مصر وتونس , بل وأكبر  ذلك هو اختيار يوم 17 فبراير لانطلاق الثورة في ليبيا , هل تعلم سببه ؟ ولو علمت لما قلت ما قلت . اختير هذا اليوم لأنه يوافق يوم خروج الشعب الليبي للدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام 2006 وما حدث فيها , ويمكنك البحث عن ذلك .
ابعد هذا نقول إن ثورات الربيع العربي تخلو من الفكر ؟
إلا إن كنت تقصد بالفكر هو فكر الفلسفة الإنسانية , وهنا أقول لك أخطأت يا أستاذ غسان , إن الثورات تحمل فكرا اكبر وأعمق من هذا الذي تطلبه .
تقول يا أستاذا غسان " وكذلك كانت ثورة البلاشفة في روسيا فبرغم أن من قام بها كانوا على درجة كبيرة من الأمّية (الذين أطلق عليهم البروليتاريا) فإنها اعتمدت على فلسفة عملاقة هي الماركسية والماركسية اللينينية وكل متخماتها من جدلية هيغل ومادية فيورباخ."

وكأنك يا أستاذ غسان تقول إن الفكر الذي يحمله البلاشفة خير من الفكر الذي يحمله المواطن العربي الثائر , الذي تعلم القرآن الكريم , وقرأ فيه إن الله كرم الإنسان , وقرأ سيرة عمر رضي الله عنه  وعرف قوله " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا "
أرى انك تتجنب المقارنة التي يجب أن تقوم بين هذا الفكر وذاك , وتلغي الفكر الإسلامي , وكان الأحرى بك أن تحاول ترسيخه .
وضربت مثال بالثورة الفرنسية , ولكنك لا أعلم هل نسيت أو تناسيت أن مفكرو الثورة الفرنسية كانوا نتاج لها ولم يكونوا سابقين عليها , فلم تقم الثورة الفرنسية التي تمجدها بسبب  الفكر الفلسفي بل قامت للخبز فقط , وأخذت أكثر من عشر سنوات لتبلور الفكر فيها حدثت خلالها مذابح وأكلت الثورة رجالها , فليتك تذكرت روبسبير وأنت تكتب ما كتبت  , بينما أراك تحاسب ثورات الربيع العربي وعمرها لم يتجاوز العام . فهلا أعطيتها فقط نصف المدة الذي أخذته الثورات التي تمجدها مثل البلشفية والفرنسية .

تقول يا سيد غسان " هذه ثورات أوقدها النفط والجهل وحديث التعصب والتدين السياسي، وليس القهر والحرمان والديكتاتوريات "
من السهل أن أرى تحاملك على ثورات الربيع العربي تحاملا يخلو من المنطق المفكر الهادي , فترى وقودها الجهل وحديث التعصب والتدين السياسي , فأوردت منطقان متعارضان , وناقضت نفسك وكل ما قلت سابقا , فكنت تقول إن الثورة تخلو من الفكر , وإذا بك تجعل الإسلام  هو المحرك , وإن كنتَ قد أعطيتَه صفة السياسي , ولكنه الإسلام مهما أضفنا إليه من صفات أخرى , فكيف لا تغفر لثورات لا تحمل فكرا , ثم تتهمها أنها تحمل فكرا  إسلاميا سياسيا , وهذا أستغربه جدا !!

تقول يا أستاذ غسان بن جدو " البحث عن ماهية فلسفة ثورة الربيع العربي عمل شاق للغاية.. والأكثر شقاء هو البحث عن فلاسفة الثورة والخزانات الفكرية الضخمة التي تستمد منها الثورات الكبرى طاقتها الخلاقة "
وهنا استغرب منك , الم ترى الدوافع الحقيقية والفلسفة الحقيقية ؟
الم ترى محاربة الفساد , ونيل الحريات , وتعزيز حقوق الإنسان , والمشاركة السياسية الحقيقة وليس المزورة , وصبر العقود الطويلة , ألا تكفي لتكون خزانة فكرية ضخمة تستمد منها الثورة وقودها ؟ 
وما هي الثورات الكبرى التي حدثت وتحمل خزانتها الفكرية معها ؟
أظن أن ثورات الربيع العربي  هي الوحيدة التي لديها هذا , فكل ما سبقها من ثورات كانت خزانتها الفكرية لاحقة لها , سواء الثورة البلشفية والنزاع بين البلشفيك والمنشفيك , او الثورة الفرنسية وإعدام الملك وإعدام الثوار بعضهم لبعض , أو الثورة الماوية والتي تلتها الثورة الثقافية التي أخرت الصين مئات الأعوام إلى الوراء .
تقول  يا أستاذ غسان " فلا أزال مصراً على انه لا توجد ثورة عربية ولا ربيع عربي بل انفعال اجتماعي وقوده مال ونفط وفلاسفته أوروبيون.. هذه حقيقة مؤلمة " إن إصرارك هذا نوع من العناد الذي يجب أن لا يكون لدى الباحث المفكر , فخلال أشهر أزيلت عروش طغاة بالدم والعرق والدموع , وبدأت النتائج تظهر في انتخابات حقيقية ونزيهة وشفافة , تعكس الرغبة الحقيقية للشعوب في هذا الوقت , في تونس ومصر , بل وحتى في ليبيا , حدثت انتخابات للمجالس المحلية في مناطق مثل مصراته وغيرها رغم أنهم ما زالوا يعانون من حرب داخليه ومحاولات لوأد الثورة . وبعد هذا نجدك تنكر الثورات وتصر على ذلك ,
كأن الثورة لا تستحق أن تسمى ثورة إلا  أن تخرج تحت قيادة رمز من الرموز  يحمل فوق الأعناق وان تحمل كتب الفلسفة الثورية في أيديها وعقولها . أليس إصرارك غريبا ؟

وكم أسفت عندما اقرأ لشخص مثلك قوله " ينتج الربيع العربي في ليبيا سوى “مصطفى العبد الذليل” الليبي " وقولك " وفي كل ثورة مصر لم نسمع بمرجعية ثورية واحدة.. سوى شاب عشريني يسمى وائل غنيم " وبقية المقال كله تتكلم وتمجد في فلاسفة الغرب , وثورات الغرب ,  بينما عندما تتكلم عن عربي أجدك تحط من قدره , بل وتستعمل ألفاظاً مثل " محترق " وغيرها وملأت مقالك بالتحقير لكل من كتب مؤيدا لهذه الثورات . بل وتناولت خصوصياتهم بالتجريح , هذا غريب على من يتكلم كمفكر يعطي نفسه الحق في نقد ثورات الشعوب .

ويكفي أن أورد الخلاصة التي أوردتها  في آخر مقالك , وآسف أن أقول " قيئك " حيث قلتَ :- الديكتاتوريات التي ترحل لا يؤسف عليها لكن ما يؤسف عليه هو أن هذه الثورات تشبه فارسا مقطوع الرأس.. انه فارس مخيف بلا ملامح.. وبلا حياة.. جثة تتنقل من بلد إلى بلد على متن رحلة قطرية فيما هي تتعفن وتنشر الوباء والطاعون النفسي والأخلاقي.. والذباب والدود والموت والاستعمار الجديد .. ولذلك لن نقول “فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين”.. بل خذوا “برهانكم” وثورتكم إن كنتم صادقين مع أنفسكم.. وارحلوا..  "

فهي دليل على أن مقالتك كانت قيئا أكثر منها فكرا , وتوريتك بكلمة " خذوا برهانكم " وتقصد بها برهان غليون , ووصفك  للثورة بالفارس المقطوع الرأس ,  والمخيف وبلا ملامح , أقول لك , إن ملامحه واضحة , لمن  يفتح عينية بعيدا عن فلسفة الغرب , وبعيدا عن هوى طهران وحزب الله .
فقط افتح عينيك في تونس أو مصر أو طرابلس أو  بنغازي أو مصراته وصنعاء .
وأقول لك إن فرحة ليبيا بأطيافها  في ذكرى الثورة قبل أيام دليل واضح وناصع على أن هذه الثورات نابعة من قلوب الشعوب , وتعيش في قلوبها , وستنجح بأذن الله , شاء من شاء , وأبى من أبى . ولن تحتاج إلى رموز أو فلاسفة . كتابها القران ورمزها محمد صلى الله عليه وسلم ,
قد يستغرق إصلاح ما أفسده الطغاة في الفكر والتعليم  بعضا من الزمن ولكن لن يطول بأذن الله , ودعني أذكرك بحديث رمز الثوار رسول الله صلى الله عليه وسلم « من قال : إن الناس هلكوا فهو أهلكهم » وله معنيان , انه يكون أكثرهم هلاكا , أو أن يكون هو المتسبب في هلاكهم , وأختر أي المعنيين لنفسك ,
وعلى دروب الحرية والكرامة نلتقي
صالح بن عبدالله السليمان



هناك 4 تعليقات:

  1. أستاذ صالح . ماذا تتوقع من الروافظ ومن ولااهم.؟؟؟؟

    ردحذف
  2. شكرًا شكرًا شكرًا ..... اخي صالح علي هدا المقال القيم .. / أخوك ابوبكر من ليبيا الحبيبة

    ردحذف
  3. لا فض فوك يا أستاذ صالح , نسأل الله أن يجازيك خيراً علي كل حرف خطته يداك ,,,
    بارك الله فيك شكراً شكراً شكراً أنك والله أنصفتنا ,,,

    ردحذف
  4. حقيقة اخ صالح استغرب من مفكري المملكة السعودية المتفاعلين مع الثورات العرببة كيف لا يثوروا على اوضاعهم البائسة في الحرية والعدالة والقانون وقيم مجتمعات القرن الحادي والعشرين .. أليس من أن احوالكم اولى لأن تدافعوا وتناضلوا لاجل تحسينها وتعديل معوجها

    ردحذف

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال