الأربعاء، 19 نوفمبر، 2014

هل المخطئ من وضع الغطاء أم من رفعه؟

يقولون أن ما يحدث في مصر وليبيا وتونس والعراق وسوريا واليمن هو نوع من الثورة المضادة لحركات التحرر, وأقول لهم " قد " تكون كذلك , ولكن يجب أن لا ننسى العامل الأقوى في المعادلة كلها , الشعب , نعم الشعوب هي العامل الأكبر في هذه المعادلة .
قبل هذه الثورات أو الحركات أو الانتفاضات أو سمها كما أردت أن تسميها من وجهة نظرك ,
كان الشعب راقدا نائما يغط في سبات عميق , لا يعرف إلا عاصمة بلده والقرية المجاورة لقريته , ولا يهتم إلا متى يستلم الراتب أو كيف سيصرفه . ويعتبر وطنه هو منزله و غرفة نومه هي حصنه.

لا يعلم عن الاقتصاد إلا مصروفاته وسعر مشترياته, ولا يعلم من السياسة إلا المؤامرات تحاك ضد بلده والحاكم علية هو درع الوطن وحامي حماة ,
لا يعرف عن التعليم إلا الشهادة التي سيحصل عليها ابنه ليوظف وظيفة أعلى ,
لا يعلم سوى أن إسرائيل والصهيونية هي العدو وان زعيمه يعمل ليل نهار ليعيد الحق إلى أهله.
كان المواطن العربي ملفوفا ببالون يحجب عنه الرؤية , عقلة مغطى بغطاء يحجب عنه حقوقه وواجباته , فقائمة حقوقه لا تشمل حرية الفكر ولا تشمل المشاركة في القرار, ولا تشمل حقه في المعرفة. ولا تشمل حقه في التواصل مع الآخرين والسماع لمختلف الآراء , لا تشمل حقه في تقييم الآراء المختلفة واختيار الرأي الذي يظنه صوابا.
كان يتصور أن كل من يحمل رأي يخالف رأي الحكم فهو مجرم يستحق العقاب , لا بل الإعدام , وكم اعدم حوله أناس جريمتهم كانت الرأي المخالف.
ثم فقع هذا البالون وارتفع الغطاء الذي يجب نور الشمس .
وما نراه اليوم هي نتائج ارتفاع الغطاء, ومن يوجد اليوم من اللاعبين على الساحة العامة هم نواتج ثقافة الأمس , ونتاج تعليمها ونتاج إعلامها.
أصبح التخبط سائدا , والاقتتال واقعا بين بعض المجموعات والجماعات , كل ينظر انه صاحب الحق وصاحب النظرة الصائبة وأنا ومن بعدي الطوفان , ويدعو بدعاء سيدنا نوح . رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً ,  هؤلاء كلهم نتاج الماضي وثمرته, ولا تحسبن أن من علم وثقف تحت نظام جائر مستبد سيخرج واعيا مفكرا يزن الأمور بميزان الحق ويعرف النتائج ويدقق في المألات , فهذا من المحال ,
ولكن مهلا , هل الصورة بهذه القتامة ؟ هل هذا هو نتاج الخروج عن الظلم؟
يتصور البعض ان هذه الأسئلة محقة , ويخرج بنتيجة أن العيش كان تحت سلطان جائر أطيب وأهنأ وآمن مما نحن فيه.
أقول . وبملء الفم , لا ثم لا ثم لا .
كان المطلوب نزع الغشاوة ورفع الغطاء عن الشعب ليحصل على حرية الفكر وحرية البحث عن الحقيقة وحرية اختيار ما يراه أصلح ,
كان المطلوب أن يكون له صوت, صوت يودعه في صناديق الانتخابات , سواء أختار الأحسن أم الأسوأ. فهذا خياره وسيعيش مع هذا الخيار مدته القانونية.
كان المطلوب أن يتحرر الفكر من إعلام واحد إلى فضاءات الأعلام المتعدد , يسمع من يريد , لا أن يكون للوطن صوت واحد لا بديل عنه, والخارج فقط المتنوع ,
كان من المهم أن يعلم المواطن أن تراب الوطن واحد ولكن من يعيش فوق التراب مختلفون, ومن حقهم جميعا العيش على تراب الوطن.
وهذا تحقق, لا انفي ولا أنكر أن الخسائر كبيرة , بعضها أثناء التخلص من الأنظمة وبعضها أثناء ترسيخ مبدأ أن للجميع الحق في الوطن.
أرى المستقبل بدأ , بدأ من اليوم الذي بدأت اسمع ثلاث أصوات
صوت ينادي بمبدأ معين وخالف مبدأ آخر, وهذا الصوت يساهم في رفع الوعي العام لدى المجتمع, حتى وإن لم يكن يقصد هذا المعنى , ولكن لوجود تيارين والمستمع للتيارين أدرك أنهما موجودان وله الحق في الاختيار بينهما. فهي الفائدة الأكبر وإن كانت غير مقصودة.
وصوت آخر محايد يبحث عن الرأي الأمثل والأحسن لا يتعصب لهذا ولا لذاك , يناقش ويسأل ويحاول التعرف عن قرب
والصوت الأخير , هو من لا صوت له , فهو لم يتعود النقاش , كمن يقرأ مقالا ثم لا يترك تعليقا, تعود الانغلاق , كان خوفا فأصبح طبعا.

في المحصلة , نتج تغير في البنية الثقافية للمجتمع ,حتى في الدول التي لم تحدث فيها حركات أو ثورات أو انتفاضات.
وبدأت عجلة الثقافة العامة والوعي المجتمعي بالحركة , وبدأ العقل يتفتح على حقائق جديدة , كان بعض المفكرين فقط يعرفوها , فنجا منهم من سكت أو هرب وهلك من بقى وتكلم.
هذه الحركة للوعي هي من سينتج التغير , وهي من سيعمقه , وهي من ستجبر كل المختلفين للجوء إلى الوسائل القانونية والسياسية لحل الاختلافات, لا القتل والتعذيب والتهجير.
يقولون هو الربيع العربي ويقولون هو الخريف العربي, وأقول لا هذا ولا ذاك بل هي صحوة الوعي العربي وإفاقة العقل العربي.
ينظر البعض بنظرة متشائمة , ولكن والله انظر لها بنظرة متفائلة  والتفاؤل لا يناقض الحزن , حزين على كل قطرة دم سالت وتسيل وعلى كل شهيد يسقط وعلى كل مبنى يتضرر , ولكن كما يقول إخواني في ليبيا " الله غالب".
يخطى من يظن أن هذا نتاج رفع الغطاء , فالغطاء سيرفع إن آجلا أو عاجلا وسيحدث ما يحث الآن إن أجلا أو عاجلا. ولكن نتاج وجود الغطاء , وذنب من وضع الغطاء على العقل في المجتمع , فلا نلوم من رفع الغطاء بل نلوم بل ونلعن من وضع الغطاء .
الغطاء قد رفع , والمسيرة قد بدأت , وقطار الوعي قد سار, وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب سينقلبون.
صالح بن عبدالله السليمان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال