الأحد، 9 نوفمبر، 2014

أحذروا الديمقراطية الشركية

وعدت في مقالي السابق (  اعتبر يا من تؤيد الانتخابات الشركية  ) أن أتكلم عن الديمقراطية , والتي يسميها البعض من المسلمين الديمقراطية الشركية .فاعتبروا كل من يتكلم عنها مؤيدا أو كل بلد يتخذها نظام حكم مشركا بالله عز وجل , وهذا يعني إخراج ما يزيد عن 90% تقريبا من المسلمين من سعة الإسلام إلى مهوى الشرك والعياذ بالله.
ستخرج باكستان وبنغلاديش وإندونيسيا وماليزيا ومصر وتركيا من دائرة الإسلام إلى دائرة الشرك بالله والعياذ بالله , فأي نوع من الهرطقة نسمع ؟
في هذا الفكر المكْفّر للديمقراطية يقع في  أخطاء . وكلها تدل على جهل بحركة المجتمع وحركة الأنظمة السياسية  وحركة التاريخ , وهذه الأخطاء قد تغفر للجاهل ولكن لا يمكن غفرها لمن يصدر فتوى دون نظر أو تمحيص.


الأدلة التي ساقوها للدلالة على تحريم الديمقراطية واعتبارها شرك بالله والعياذ بالله مردود عليها, فهي وإن ظنوا أنها بجانبهم ولكنهم لو محصوها لوجدوا أنها قد تكون أيضا أدلة لخصومهم ممن يسمون لديهم مشركي الديمقراطية ,

أولا . لو كان قولهم بحرمة الديمقراطية فقط فقد يكون الحوار مختلفا , ولكن قولهم أنها شرك بالله سبحانه وتعالى هنا نقول قفوا , فلقد مللنا من تكفير هذا وذاك واستحلال دم هذا وذاك بسبب مثل هذه الفتاوى التي لا تربوا عن اجتهادات وتأويل للأحاديث والآيات الكريمة وعسر للأدلة لتوافق أهوائهم., وقبل الدخول في تفاصيل الرد على من قال بشركية الديمقراطية , نظرت في كثير  من أدبيات من يحرمها ويقول عنها شركا. هل طرحوا بدائل تضمن النقاط التالية :-

1) طريقة اختيار الحاكم في الدولة المسلمة وطريقة عزله؟

2) مراقبة أداء الحاكم وشفافية الحكم ؟

3) تدخل المجتمع في سن القوانين بحيث   تقبل أو ترفض ما لا يناسبها؟

لم أجد إجابة شافيه !! فكلما أسمعه هو ذم في الديمقراطية والحرية وبيان نواقصها. أما الحل البديل لديهم هو احتكار مجموعة ممن أسموها "أهل الحل والعقد" في كل القرارات المصيرية دون أن يكون للمجتمع أي حق سوى الإذعان, واعتبار الحاكم متى استلم الحكم هو منصب لمدى الحياة أو خروج قوة غالبة أخرى للاستيلاء على الحكم , بالضبط كما حدث في الدولة الأموية والعباسية ثم تفرقها إلى دويلات كالحمدانية والبويهية والصفوية والفاطمية وغيرها كثير, واعتمدوا كدليل على قولهم الآية الكريمة " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا " ولا اعلم هل قرئوا أول الآية فقط أم قروءها كاملة , وهي تقول بوجود التنازع بين أولي الأمر والمسلمين وحينها يرد لله وللرسول . وهذا مبدأ عام ولم تبين الآية الكريمة  إلية الرجوع أو التنازع.

لا علم هل المحرمين للديمقراطية السياسية ينادون بدكتاتورية الحاكم بأمر الله ليصبح الحاكم بأمره وأمر جماعته , أم حكم فرعون الذي قال لقومه (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ما هو النظام الذي ينادون به ؟ نريد أجوبة على الأسئلة الثلاث السابقة وأضف إليها السؤال الرابع وهو كيف سنختار أو سيتم اختيار أهل الحل والعقد ومن سيختارهم وما هي  صلاحياتهم وما هي مسئولياتهم ؟

كل ما يذكرونه في أديباتهم هي مفاهيم فضفاضة مهلهلة وأماني كبيرة, تعتبر الحاكم الذي سيختارونه هم بطريقتهم الهلامية الغير محددة المعالم  سيكون خليفة الفاروق وعمر بن عبدالعزيز, ولكأن من سيختارون سيكون مثال التقوى والورع والعدل والإنسانية وهو ما يسميها سقراط " الدكتاتورية المستنيرة " , أما تحديد مدة حكم الحاكم ووضع سلطة تحاسبه هو وأعضاء حكومته وأي مسئول في الدولة إذا قصّر , فليس لها حل أبدا , ولكنهم اخذوا بعض اللمحات المنيرة من تاريخنا وحاولوا نسخها أو مسخها لتناسب عصر الانترنت والأقمار الصناعية والأموال البلاستيكية والاتصالات العابرة للقارات ,في عهد تويتر وفيسبوك والتواصل الاجتماعي, في عهد الإعلام العابر للقارات والإعلام الرسمي والإعلام الموجه , تناسوا كل هذه التغييرات وبقوا على عهد انتقال البريد بالحصان ( وليس عيبا هذا) وتناقل الأخبار بالقصائد والرحالة , لا أعيب ذاك الزمن ولكني أعيب من يعيش الآن في ذاك الزمن ويدعونا للعيش فيه . لا ننسى القول المأثور "لا تكرهوا أولادكم على أخلاقكم،  فأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم" ومعلوم أن الأخلاق لا تتغير ولكن الأدوات تتغير .

نأتي إلى اقوي دليل ساقوه في معرض نفيهم للديمقراطية , وهو قول الله سبحانه وتعالى (إن الحكم إلا لله) وما شابهها من آيات كريمة , رفعها  الخوارج بقولهم  " لا حكم إلا لله"  وهذا يرد عليه سيدنا علي بن أبي طالب " الذي رد عليهم «إنها كلمة حق يراد بها باطل، نعم إنه لا حكم إلا لله.. ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلا لله، وإنه لا بد للناس من أمير بر أو فاجر" يقول سيدنا علي : لا بد من أمير , وهذا يعني لا بد من حاكم ولكن لا يبين لنا أي أمر ديني في اختياره , ولا يرضى إطلاق هذا الشعار على عواهنه , بل يجب أن يتماشى مع الواقع والتاريخ , ففي الديمقراطية هنالك آلية لاختيار الحاكم .ولا أليه في ما عداها سوى "الدم الأزرق" أو "التفويض الإلهي"  أو الدكتاتورية" أو "غلبة القوة".

نأتي إلى ما يسمى نظرية "الحاكمية" التي يتغنى بها هؤلاء المحرمون المكْفّرون,  ظهرت أولا على ألسنة الخوارج, بقولهم ( لا حكم إلا لله ) واختفى من القرن الأول الهجري حتى القرن الثالث عشر الهجري , ثم عاد للظهور في أدبيات " أبو الأعلى المودودي" الذي قال بحرمة الديمقراطية في بعض كتبه . ولكنهم تناسوا أن أبو الأعلى المودودي عندما نادى بحرمة الديمقراطية كان يعيش في دولة الهند الموحدة , والأكثرية كانت للهندوس , وهذا التحريم وسيلة لا غاية بالنسبة للمودودي , فالغاية كانت إيصال صوته أن حكم الهندوس وبرلمانهم  وقوانينهم لا تسري على المسلمين. ولكنه عندما تأسست دولة باكستان المسلمة حيث كانت الأغلبية للمسلمين نجد المودودي نفسه يتكلم عن "الديمقراطية الإسلامية"، ويسميها "ديمقراطيتنا العريقة"، ليس هذا فقط بل يصم من يرفضها بعدم العقل بقوله " ليس هناك عاقل يعارض هذه الديمقراطية " ويشارك في صياغة دستور باكستان و تحالف مع حزب الرابطة الذي يرأسه محمد علي جناح , وأكثر من هذا نجده يتحالف مع فاطمة جناح أخت محمد علي, ويدعم ترشحها للرئاسة .
هذا هو باعث مبدأ الحاكمية من ركام 13 قرنا يرفضه ويقف ضده حين تغيرت الظروف المحيطة به .

أما بالنسبة لعالمنا نجد السيد قطب منظّر الإخوان المسلمين هو أول من تكلم بالحاكمية في كتابة " معالم في الطريق "الذي كتبه في السجن قبل إعدامه  واتخذته جماعة الإخوان المسلمين وبقية الجماعات التي ظهرت بعد ذلك’ شريعة وشعارا لطريقتهم, ولكن سرعان ما نفض الإخوان المسلمون يدهم من هذا الشعار, ورد عليه حسن الهضيبى المرشد الثاني للجماعة في كتابه " دعاة لا قضاة " يقول فيه عن مبدأ الحاكمية الذي يقدسه هؤلاء ويعتبرون مخالفة خارج عن الإسلام " ونحن على يقين أن لفظة الحاكمية لم ترد بأي آية من الذكر الحكيم، ونحن في بحثنا في الصحيح من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام لم نجد منها حديثا قد تضمن تلك اللفظة فضلا عن إضافتها إلى اسم المولى عز وجل " . وفي كلامه رد على من قال بالحاكمية ومن لسان قادة الحاكمية وأول من نادى بها أرد عليكم.

هنالك آية أخرى يرددها من يقول بالحاكمية وهي شعار لهم بعض الأحيان وهي قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا.) وأجد أن هذا الدليل أوهن من الدليل الأول الذي بنيت عليه الحاكمية ,

فالآية تتحدث عن المؤمن والمؤمنة , والإيمان في القلب وليس في الأفعال , ودليل هذا من القران الكريم قوله تعالى " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " .

فالآية الأولى تخاطب القلوب  المؤمنة وتحثها على قبول أوامر الإسلام ونواهيه وهي أوامر الله سبحانه وتعالى ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى" , ولا تتكلم عن وسائل حكم , فالقلوب والإيمان لا يمكن أن يحكم عليها سوى رب العالمين , فكيف ننصب هذه الآية كمحكمة لقبول " نوع حكم " أو طريقة اختيار حاكم .

نقطة أخرى يغفلها هؤلاء المكْفّرين للأمة الإسلامية حين يطالبون بالديمقراطية أو اتخذوها طريقة حكم , وهي أن ليس للأمة اختيار تشريعاتها إلا بما يتماشى مع الشرع , ولذا لا يحق لهم التصويت على ما قررته الشريعة بل عليهم الإذعان لها , هنا أقول مقالة سيدنا على بن أبي طالب , هذه كلمة حق يراد بها باطل . فنحن نتكلم عن أمة " إسلامية " , " أمة مسلمة " فهي بمجموعها وبمجموع شعبها تهفوا للشرع وتنادي به , ولكن تطالب بالديمقراطية لكي تختار لنفسها من قوانين بشرط تتماشى مع الشريعة , فنحن لدينا إرث 14 قرنا من الفقه, ولدينا إرث 14 قرنا من الأحكام , هنا يحق لمجموع الأمة ممثلا بنقبائها , أو ما نسميه بنوابها اختيار النظام والقوانين التي تناسبهم , فالإسلام جاء بكثير من الأمور مجملة وعلى الأمة العمل على التفاصيل , فالقانون البحري والجوي والدبلوماسية والمصارف والاقتصاد والسياسة الدولية والتعليم والعلوم والطب والمرور وإصدار الوثائق والاتفاقيات الدولية والصناعة و...و... كثيرة هي الأمور التي يلزم فيها إصدار قوانين تناسب العصر وعلى ضوء الشريعة الغراء . فمن سيقوم بها ؟ هل ستقولون علماء الدين ؟ وكيف لعلماء الدين دراسة القوانين البحرية وغيرها من طب وعلوم ؟ يوجد في كل الدساتير الإسلامية عبارة إن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للقوانين , وعند إصدار قانون لا يتوافق مع الشرع يمكن نقضه عن طريق المحكمة الدستورية.
أنا هنا أتكلم عن ما نسميه الديمقراطية السياسية , فالديمقراطية آلية للتداول على السلطة وأداة إنسانية تطورت عبر قرون منذ ديمقراطية المدينة ( ديمقراطية أثينا ) إلى يومنا هذا , وهي ليست مؤامرة أن نجعل للشعوب المسلمة نوابا أو نقباء يختاروهم للقيام بمهام التشريع حسب الدستور الذي يجعل من الإسلام أساسا له

لا أتكلم عن ديمقراطية وثنية او ديمقراطية ملحدة . بل هي أداة وأليه يستعملها المسيحي والعلماني والليبرالي والبوذي والهندوسي كما يستخدم الهاتف للتواصل والسيارة للنقل والطيارة للسفر, هي أداة كالدواوين التي ادخلها عمر بن الخطاب, وكالبريد الذي ادخله وطوره الأمويون , أداة إن استعملتها في الخير فنعمّ الأداة هي وإن استعملها في غير ذلك فنقول (كُلُّ نفسٍ بِمَا كَسبت رهِينَة) و "‏ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "

نعم  في الديمقراطية نواقص ونقاط ضعف ولكن ما هي الوسيلة البديلة ؟ لا أناقش في حل وحرمة في النهاية , فالأصل في الأشياء الحل إلا ما جاء فيه نص تحريم . ولكن يا من تقولون أنها حرام , أعطونا نظام بديل عنها , أو طوروها وعدلوا فيها , أما قولكم حرام ثم تلقوا الرداء على رؤوسكم دون إعطائنا حلا . يخرجنا إلى القرن الحادي والعشرين فغير معقول ولا مقبول. لا تقولوا فتاوى التحريم ثم تدفنوا رؤوسكم في الرمل, بل اخرجوا ألينا نظام يضمن لنا عدل الحاكم أو إزاحته , يضمن لنا محاسبة الفاسد من الإدارة ومعاقبة , يضمن لنا وضع قوانين محددة نتبعها لا أن نترك كل قاضي يحكم لهذا بفتوى لفلان من الفقهاء ويحكم على الآخر بفتوى من غيره من الفقهاء , بل نجد قانون واحد وفقه واحد يحتكم له الجميع لا أهواء ولا تفرقه .

وحتى ذلك الحين أرجوكم ثقفوا الأمة على اختيار الأصلح والأعلم والأتقى , حاربوا الظواهر السيئة ولا تحاربوا الأدوات .

صالح بن عبدالله السليمان


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال