الجمعة، 16 نوفمبر 2018

ماذا يريد العرب من بعضهم؟

ماذا نريد؟ سؤال لا يبارح ذهني، اسأل نفسي وانا أرى ما يحدث في عالم السياسة والذي أثر بوسائله المتاحة في المجتمع.
مجتمعاتنا قسمت عموديا تقسيم كبير، هذا التقسيم لم نكن نراه قبل 40 عاما، بل كنا أقرب الى بعضنا، تقاربنا الكبير قبل 40 عام وأكثر كان مخيفا جدا لأعدائنا.
قبلها كان الخليجي يعتبر الجزائري اخاه ويجب عليه نصرته, تبرع بالمال الذي لم يكن متوفرا, وما زلت اذكر ان في السعودية كان هناك ما يسمى "ريال الجزائر", والتبرع اختياري, ومن العيب عدم التبرع, وايصال التبرع وسام شرف يتسابق الطلاب للحصول عليه, فرحهم بالتبرع اكثر من فرحهم بالحصول على الإفطار, والسعودية وكل دول الخليج أصدرت طوابع بريديه ريعها للجزائر, والكويت كان التبرع بالمدارس والضريبة المفروضة على كل تذكرة سينما بل ووصلت الى فواتير الكهرباء والكثير من الخدمات الحكومية, والبحرين والامارات كلها كانت تتسابق في التبرع للجزائر.

في العدوان الثلاثي على مصر وكذلك حرب 67 وهذه حوادث عشتها ولم اسمعها من أحد, كانت الحرب علينا ولم تكن على مصر فقط، وكان هنالك تطوع للشباب في الكويت وانا تطوعت وتدربت عسكريا بما يسمى تدريب سريع، تدربت على حمل السلاح والقنابل اليدوية والتستر من القصف وغيرها من الفنون العسكرية، كنت مستعدا للموت في سبيل مصر. انا ومعي الالاف من الشباب.
العروبة كانت تملانا وتملأ مشاعرنا، كان الشعور باننا قومية واحدة وان اختلفت التسميات، مصري او سوري او أردني ولبناني او جزائري لا تختلف عن التسميات العائلية، ونحن واحد وإن اختلفت العائلة، فجاري له اسم عائلة تختلف عني والمصري له اسم بلد يختلف عني ولكن كلنا سواسية.
الان أرى التفرقة أصبحت عمودية، أصبح الكل يكره ما خالفه، أصبح الجزائري يحتقر السعودي، والمصري يكره الكويتي واللبناني يهين الخليجي، والفلسطيني يهين الجميع. أصبحنا نتقاتل بيننا ونجرح بعضنا ونحن كلنا في مركب واحد.
اختفى الاحترام لبعضنا، وأصبحت الكراهية والبغضاء وأحيانا الاحتقار تعشش في قلوبنا.
تقوم مظاهره في غزة بسبب ما، فتحرق رموز سعودية، وشباب مغربي يلتقي بشباب خليجي في موسكو فيهيل أحدهم السباب للأخر. أصبحنا شعوبا تكره بعضها البعض، بل وتحتقر بعضنا البعض، فلماذا؟
لم  انقلب ذلك التكاتف الشعبي والتواصل الاخوي الي حرب بالكلمات الشائنة والتصاريح المقيتة؟
يقولون هي اختلافات سياسية، اختلاف في التوجه السياسي، ولكن ألا نعلم ان السياسة فن الممكن والمتاح؟ فما هو متاح في مصر يختلف عن المتاح في المغرب، وما هو مقبول لدى الخليجي غير مقبول لدى الجزائري، والممكن لدى التونسي يختلف عن الممكن في ليبيا.
اختلفت معاييرنا الإنسانية، لدى البعض أصبح معيار " الثورة" هو المعيار الوحيد والمقبول لديهم، واختفت معايير أخرى صالحة أيضا، اختفى معيار " الإصلاح", اختفى معيار " التغير" , اختفى معيار " الخصوصية المجتمعية", أصبح لدينا معيار كمعايير ومقاييس الفيزياء ولا نقبل غيرها كمعيار، ناسين اننا نتعامل مع ظروف إنسانية وتاريخية ومجتمعية مختلفة، وهذه كالأدوية، لكل داء دواء ولم يظهر الدواء الذي يصلح لكل الامراض ويجب على كل المرضى تناوله.
المصيبة الكبيرة والمشكلة العميقة هي في الاعلام، المكتوب منه والمرئي، من صحف وقنوات تلفزيونيه، تعمل جاهدة لتوسيع شقة الخلاف ونشر ثقافة الكراهية، وتستغل كل الفرص في نشر فيروس الكراهية بيننا، وتصوير ان الفيروس هذا صادر عن جهة تخالفها.
كانت هذه وسيلة غربية لبث الكره والاحتقار لكل ما هو عربي او مسلم في الغرب، وكم عانينا من التمييز بين الغربي والشرقي، فكانت الأفلام والاخبار والقنوات تبث هذه السموم في مجتمعاتها، وكنا نصرخ نطالبهم بالعدالة، فليس العربي والمسلم ذلك الحيوان الجشع الجنسي السادي الظالم الحقير. بل هو حضارة كبيرة واخلاق وعلوم.
الان انتقلت هذه المصيبة الى اعلام يتحدث باسمنا ويتكلم لغتنا، ولكنه ينشر العداء والفرقة بيننا.
عندما يعادي توجها ما او حكومة ما تجده ينشر كل القبائح والاخطاء بل ويركز عليها ويعمل حولها لقاءات وندوات ومقالات. يحاول تعريف العالم بان اخوه نعم أخيه، سيئ ويجب العمل على ازالته وتغييره،
حاولوا فيما يسمى " الربيع العربي" وكنت أحد المشاركين الإعلاميين فيه، بل ولقبت "كاتب الثورة الليبية" فكنت ثوريا أكثر من غيري، وعرفت أهمية الثورة الليبية قبل غيري، بل كان سادة القلم الذين يحاربون الخليج هذه الأيام ويطالبون بالثورة ضدها، كانوا ضد الثورة الليبية، ويحاربونها بالقلم والفكر، وفي بدايتها كنت اكاد القلم العربي الوحيد الذي وقف معها، والتاريخ يشهد.
ولكن الربيع العربي اثبت فشل هذه الطريقة في التغيير، وما حدث ويحدث في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن إلا دليل على عدم صلاحية هذا الأسلوب، لان الشعوب نفسها غير جاهزة، وان خياراتها أوقعت المجتمع في التحارب او عدم الاستقرار.
ولمن يقول ان السبب هو دول الخليج، اسأله،
هل دول الخليج أنزلت جيوشا لتسقط الخيارات؟
هل مواطني دول الخليج هم من خرج في مظاهرات صاخبة في مصر لإسقاط حكم الإخوان؟
هل دول الخليج هي من ادخل إيران وحزب الله وبقية المليشيات الإيرانية والاتحاد السوفيتي الى سوريا؟
هل دول الخليج هي من سرق بترول وقوت الشعب العراقي بل وماءه وسمم انهاره؟
هل دول الخليج هم من انسحب من الموصل وترك أكبر مخازن أسلحة في العراق في يد داعش؟
هل دول الخليج هي من أوحى للحوثي ان يقوم بانقلابه ويخرج على مقررات الحوار الوطني اليمني ويستولي على السلطة في اليمن؟
هل هي من فتح له مخازن الأسلحة اليمنية وزوده بالجيش اليمني وحارب الى جواره؟
هل دول الخليج هي من أعلن وعلى لسان أكبر السياسيين ان أربع عواصم عربية (بيروت ودمشق وبعداد وصنعاء) أصبحت تحت سيطرة طهران؟
هل وهل وهل وهل، أسئلة كثيرة لمن أراد رؤية الحق ومعرفته.
دول الخليج تختلف عن الدول الأخرى، مجتمعاتها وناسها وبشرها، اختاروا نظاما سياسيا وهو عنه راضون ولو عملنا استفتاء في دول الخليج اليوم حول النظام السياسي الذي يريدون لكانت الأنظمة القائمة اليوم تفوز وبنسبة تجاوز 99.9% وأقول ان هذه النسبة ليست نسبة مزورة كما يحدث في دول أخرى تدّعي الديموقراطية بل نسبة حقيقية واقعية.
فلماذا تحاول وسائل الاعلام الغربية والعربية استجلاب عداء الغرب لدول الخليج؟
ولماذا تحاول استغلال كل شاردة وواردة لاستجلاب العداء الغربي لها؟
الجواب، لأنها يئست ان تغير ثوابت المجتمعات الخليجية، وان استثارتها كما حدث في غيرها مستحيل. ولم تعترف بالخصوصية لها، فتحاول استجلاب العداء الغربي وتثير الاخوة العرب وتثير بينهم العداوات والكراهية، لعلها تفلح.
يجب ان تلتئم جراح المجتمعات العربية، وان نقبل ان للمغربي خصوصيته وللجزائري خصوصية ولليبي خصوصيته كما للمصري وللخليجي خصوصيته، ونرضى بهذه الخصوصيات، وألا ننصب أنفسنا قضاة لنحكم على المجتمعات.
يجب ان نلتئم ونتكاتف لنخرج من هذه الظلمات التي نحن بها، فبتكاتفنا وقبولنا بالآخر ولو كان يخالف رأينا، سنتمكن من الخروج وستكون أيدينا مع بعض للسير في طريق التحرر والتقدم والرقي. ولكن لنتوقف عن العمل ضد بعضنا، فعملنا ضد بعضنا هو عمل لصالح عدونا. سيكون من الغباء الظن ان عدونا سيعمل لصالحنا، فنستثيره على بعضنا.
الاعلام يجب ان يعمل للإصلاح وليس للهدم، يذكر المحاسن وينقد الأخطاء، ويكون نقدا هادفا يعمل لرقي الوطن والمجتمع، لا معول هدم للثوابت في مجتمعاتنا.
ويل لأمة يكره بعضها بعضا ويحارب بعضها بعضا ولم تنهض الأمم إلا بتكاتفها وتعاونها والعمل يد بيد. متى يفهمون الدرس؟
والسياسة فن الممكن والمتاح ليست فن الخيال والتمني
صالح بن عبدالله السليمان





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

; أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال