السبت، 25 يونيو، 2011

ليبيا والليبيون وغابة التصريحات

" ليبيا والليبيون وغابة التصريحات "
وصلتني رسالة من أخت ليبية  تقول فيها :-
"" أنا ربة بيت وأتابع الأخبار واسمع الكثير من التصريحات . ولم أعد افهم شيء مما يقال أو مما يحدث , وأصبت بقلق واكتئاب . فأرجوك أن تشرح لي ما الذي يحدث في ليبيا ""

وقد يكون حال هذه الأخت شبيه بحال الكثير من المواطنين الليبيين  البسطاء , أصبح كل منهم  يشعر بالحيرة وهو يستمع إلى التصريحات المتناقضة من الشرق  ومن الغرب . تصريحات ساسة وتصريحات عسكريون .  تصريحات تطلب إيقاف القصف عل كتائب القذافي . وتصريحات تطلب تواصلها , وأخرى تطالب بالمزيد منها . التصريح بأن مجلس النواب الأمريكي لا يجيز العمل العسكري . وقبله تصريح لوزير الخارجية الإيطالي يطالب بوقف أطلاق النار . وتصريح لشمام بان هناك اتصالات مع القذافي . وتصريح  ينفي ذلك .
حتى بات الليبي البسيط تائه في غابة من التصريحات لا يعرف إلى أين تتجه البوصلة . وبلغ الإحباط لدى بعضهم انه كسر البوصلة وألقاها من اقرب نافذة .
ولتسمح  لي الأخت التي أرسلت السؤال أن أجيبها .  بهذا المقال المنشور .
لنبدأ بهذه النقاط الأساسية لفهم الأخبار والتصريحات :- . 
1)  لا تأخذ تصريحات العسكر في ما يخص السياسة .
2)  لا تأخذ بتصريحات منافسي الحكومة القائمة أو ما يسمى بالمعارضة
3) لا تأخذ بآراء المسئولين بل بقراراتهم . فعندما يصرح إن هذا رأيه . فيعني إن هذا رأيه الشخصي ولا يعكس رأي الحكومة أو الهيئة أو التوجه العام للدولة .
4)  انظر إلى الهدف الأساسي وأترك التفرعات .
5) خذ التصريح وحاول فهم سياقه واربط بينه وبين التصريحات الأخرى وأربطهم جميعا بالهدف الأساسي
6)  يجب معرفة خلفيات القرار أو التصريح وهل يؤثر في الهدف الأساسي أم لا ؟
بالطبع هنالك بعض القواعد الأخرى ولكن هذا ما يهم الآن .

لنرى أمثلة من التصريحات ونطبق عليها القواعد التي ذكرناها سابقا .

الحالة الأولى :- التصريح بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العمليات القتالية في المهمة الليبية .
وهذا ليس عجزا أمريكيا . فمخازنها مليئة بالآلاف بل والملايين من الذخائر . وطياروها  وطائراتها موجودة . إذن لماذا انسحبت ؟
انسحاب الولايات المتحدة هو نوع من الاحتجاج على سياسة التقشف الأوربية وتخفيض مصروفاتها العسكرية . فأحبت الولايات المتحدة أن تضعهم على المحك . ولإجبار دول الحلف للزيادة من إنفاقها العسكري . وبقيت هي على الخط ولكنها لن تسكت إذا عانى الحلف من الفشل . وبذلك تضمن زيادة الإنفاق العسكري في دول الحلف .
الحالة الثانية:- تصريح وزير الخارجية الإيطالية بطلب وقف العمليات العسكرية وتوفير "ممرات آمنه" . نلاحظ أن هذا التصريح من وزير خارجية لا يملك الصلاحية . فهو طلب أكثر منه قرار . والطلب نفسه تعمد مطلقه أن يجعله غارق بالعمومية ولا يمكن تطبيقه على ارض الواقع . فكلمة "ممرات إنسانية آمنة" وهي الشرط لوقف إطلاق النار .فيها من التفاصيل ما يمكنه أن يغرق التايتنك  .

 ومن هذه التفاصيل الكثيرة , وكما يقال "الشياطين في التفاصيل" Devils in the" Details"
·       كيف يمكن عمل ممرات إنسانية آمنة ؟
·       من سيراقبها ويحافظ عليها آمنه ؟
·       كيف ستنسحب قوات القذافي من المدن والقرى التي تحتلها أو تحاصرها ؟
·       وأين سيتم تجمع هذه القوات ؟
·       وماذا سيحدث إذا خرج الأهالي في المدن المحاصرة في مظاهرات ضد القذافي ؟
·       من سيحمي المتظاهرين؟
·       وماذا عن سلاح اللجان الثورية ؟
·       ومن سيجمع السلاح في المناطق التي تمر بها الممرات الإنسانية ؟
وتفاصيل أخرى كثيرة جدا .
إذن لماذا أطلق هذا الطلب أو التصريح ؟
إذا علمنا إن وزير الخارجية الإيطالي الذي أطلق التصريح منافس  "لبيرلسكوني" . ويحب أن يسجل نقاط . فلو سار خلفه فلن يسجل أي نقطة . فهذا تصريح لتسجيل نقاط فقط وليس للتطبيق .

الحالة الثالثة :- قرار مجلس النواب الأمريكي بعدم الموافقة على العمليات القتالية في ليبيا .
هذا القرار غير ملزم .  بل هو رمزي . ولو علمنا خلفيته فسنفهمه أكثر . ففي تاريخ أمريكا السياسي هنالك نزاع بين سلطتين , سلطة الرئاسة وسلطة الكونجرس . ومجلس النواب هو أحد فرعي الكونجرس . وكل الأعمال القذرة (Dirty work) التي يرغب الساسة في عملها تعمل في مجلس النواب . فهنا يسجلون على الرئيس دخوله في عمليات عسكرية في ليبيا وتجاهل الكونجرس . وهم يحاسبونه على هذا التجاهل . أما عندما كان التصويت على تمويل هذه العمليات فقد رفض حتى التصويت عليه , لأنه اعتبر تمادي في تأنيب الرئيس ويعرض سياسة الولايات المتحدة وهيبتها في العالم للخطر .

إذن في وسط هذه الغابة المتشابكة من التصريحات والأخبار والقرارات . كيف نستشف التوجه ؟ وكيف نحدد اتجاه البوصلة ؟

أولا :-  لنستمع إلى ما  يقول الرؤساء والمؤثرون في القرار:-
أوباما وكلينتون :- متفقون على إزالة القذافي
ساركوزي وبيرلسكوني وبراون :- متفقون على إزالة القذافي
روسيا والصين وتركيا :- يجب أن يتنحى القذافي
راسموسين وبقية أعضاء حلف الناتو بما فيها ألمانيا  :- سنواصل الضغط على القذافي عسكريا واقتصاديا  حتى يرحل

هذه هي التصريحات المؤثرة ,  والتي يجب إعطائها الاهتمام الكلي وعدم الالتفات لغيرها إلا لمعرفة بعض التوجهات ولكنها لا تؤثر على التوجه العام . فحتى اشد المعارضون لضربات الناتو, لا يقبل أن يبقى القذافي في الحكم .
فبقاء القذافي في الحكم  سيكون كارثة على العالم كله . فهو لا يتوانى عن أي عملية إجرامية أو انتقامية . وسيعتبر بقائه فشل للأمم المتحدة وفشل لمجلس الأمن وفشل للناتو وفشل للمنظومات الدولية الأخرى , كجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة المؤتمر الإسلامي وستفقد  كل هذه المنظومات مصداقيتها  . وسيتسبب في وضع ترتيبات عالمية جديدة لا يمكن أن تقوم , فهنا لا يجد العالم أمامه سوى خيارين أما القذافي أو العالم  .
وهذا ما لن تسمح به أي دولة من الدول الكبرى والصغرى ومن ضمنها الدول التي تعتبر من اشد المؤيدين للقذافي مثل الجزائر وتشاد . فموقفهما مرتبط بفرنسا وبالإتحاد الأوربي ولكن لديهم مصالح لم يتسنى لهم الانفكاك منها . كما أنهما بدئا بالتملص . فها هي الجزائر تدّعي أنها جمدت  أموال القذافي , وتشاد تطلب من فرنسا مراقبة حدودها مع ليبيا لمنع المرتزقة . والإتحاد الأفريقي بدأ بالابتعاد عن القذافي .

ثانيا :- لنرى الأفعال المؤثرة والمهمة .
خلال نفس الفترة التي يطلق فيها هذه التصريحات . نجد أن كثافة القصف على كتائب القذافي  قد زادت بل وتضاعفت . ولا نية لدى الناتو لتخفيف الضغط . وهناك توجها لزيادتها . مع تغير قائمة الأهداف .
ففي بداية عملية "الحامي الموحد" كان القصف مركز على بعض الآليات كبعض الدبابات وبعض  المباني وهذا كان في المرحلة الثانية والتي سبقتها مرحلة "فجر الأوديسا" حيث تم تحييد الدفاع الجوى ومراكز السيطرة الكبرى . أما في المرحلة الثالثة  فرأينا القصف على باب العزيزية ومخازن الذخيرة وقوافل الإمداد . وستكون هناك مرحلة رابعة إذا لم يتوقف القذافي وأظنها بدأت منذ البارحة . يوم الجمعة 24/6  حيث شهدنا قصف عنيف في البريقة وراس لانوف وبشر وزليطن ومناطق في الجبل حيث تم قصف مواقع الكتائب ووردت أخبار عن سقوط الكثير جدا من الكتائب الأمنية للقذافي ومخازن ذخيرته وتجمعات قواته .

كما وردت أنباء من هيئة قناة السويس بعبور اكبر حاملة طائرات في العالم وهي الحاملة "أنتربرايز" متجهة إلى الشواطئ الليبية .ومثل هذه الحاملة لا تتحرك عبثا . فحركتها مكلفة جدا فكل ساعة تكلف مئات الألوف من الدولارات  مما يعني إن هنالك تصعيد كبير جدا للضربات . وإذا ربطنا هذا  بتسريبات  عن  قرار سيطرح على مجلس الشيوخ الأمريكي بالسماح بعمليات محدودة الزمن .
ولنلاحظ ان المحدودية في الزمن لا تعني محدودية كثافة الضرب . فقد نشهد خلال فترة بسيطة كم كبير من الضربات ستوجه لكامل المواقع التي يوجد بها قوات للقذافي وستكون ضربات سريعة ومؤثرة بحيث تفقد الكتائب توازنها وتسمح  للثوار بالتقدم دون خسائر . وسرعة هذه الضربات ستكون لتلافي الضغوط إذا ما سقط مدنيون .

ولا ننسى كذلك انه سيصدر قرار محكمة الجنايات الدولية يوم الاثنين بشأن 3 أشخاص وهم القذافي وسيف والسنوسي . وقد يمتد للمعتصم وخميس . . فقد تتلوها الخطوة التي تكلمنا عنها في ضرب الكتائب كأفراد وتجمعات . تحت غطاء  قرار إلقاء القبض عليهم .
وهكذا نر ى أننا  في غابة التصريحات والقرارات  استطعنا أيجاد الطريق وتحديد اتجاه البوصلة .
أتمنى أن أكون قد أرحت أخوة لي عرب وليبيين باتوا يعانون من عدم اتضاح الرؤية في  هذا البحر اللجي . وأزلت بعض الالتباس حول توجه العالم حول بقاء القذافي ام عدمه .
ولا ننسى إن العالم كله الآن يتحدث عن مرحلة ما بعد القذافي .

الله عجل بنصر إخواننا في ليبيا .

صالح بن عبدالله السليمان
كاتب مسلم عربي سعودي

هناك 4 تعليقات:

  1. عمر ابراهيم26 يونيو، 2011 4:49 م

    جزاءك الله كل خير، مقال تحليلي مرجعي مفيد في كل الأحوال. لقد كفيت واوفيت ونورتنا وارحتنا انار الله طريقك

    ردحذف
  2. لا فضى فوك ، وجازك الله كل خير

    ردحذف
  3. عمر ابراهيم26 يونيو، 2011 5:56 م

    الاستاذ صالح.. بعد التحية
    أتمنى أن تَعد مقالاً تحليليًا بأسلوبك (أسلوب مبضع المشرح) عن المقارنة بين ليبيا والعراق... أي الزعم أن تدخل الدولي في ليبيا سينتهي بها مثل العراق،، وأن الغرب إنما تدخل طمعًا في ليبيا ونفطها.
    ورغم إنعدام التشابه بين مقدمات وأسباب ودوافع وشرعية التدخل العسكري الدولي في ليبيا والعراق إلاّ أن هذه المقارنة المغلوطة بدأت تتكرر وتنتشر خاصة عند بعض السياسيين والمثقفين والإعلاميين وحتى المشايخ (شيخ الأزهر غيّر موقفه بزعم أن تدخل الناتو يهدد ليبيا!!).

    وربما تبين كيف أنه إن كان من مقارنة فإن وجه التشابه هو مع عملية تدخل الناتو ضد الصرب لحماية أهالي كوسوفو من المذابح.

    ردحذف
  4. جزاك الله عنا وعن كل المسلمين استاذنا الفاضل والله لم ولن ننسي وقفتك مع ثورتنا بقلمك المبجل وقولك الحق ووقوفك معه .
    ارجو من الله ان يحفضك ويرعاك
    ملاحظة صغيرة اخي ارجو منك توخي الحذر والحيطة مع انني اعرف ان الحافظ هو الله سبحانه وتعالي مع هذا كلاب ومرتزقة القذاغي كما تعهد اسلوبهم النجس اغتيال او ترويع كل من يخط خطا عليهم فارجو ان تقبل مروري وحرصي علي الشرفاء امثالك.

    ردحذف

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال