الأربعاء، 8 يونيو، 2011

خطاب الهزيمة : قراءة في خطاب القذافي الأخير


  خطاب الهزيمة : قراءة في خطاب القذافي الأخير
 
كان الكثير من المحللين يقولون : إن معمر القذافي ظاهرة صوتية  فقط . وليس له أي قدرة أو خبرة لا عسكريا ولا سياسيا .ولكن هذا الخطاب  يؤكد انه ليس بالظاهرة الصوتية المعروفة . فالكثير منا يذكر خطابات عبد الناصر . وسمعنا عن خطابات هتلر وقدرتها على بث روح الحماسة في الجموع . ولكن معمر القذافي لم تكن خطاباته يوما تحرك الجموع .
بل الأحلام والخوف والرهبة والنفاق الاجتماعي والسياسي هي ما كان يحرك الليبيين لمساع خطاباته والهتاف له .  .   
وهذا يذكرني بنكتة سمعتها قديما , إن احد الموظفين اشتكي لمديره من أن زملاءه توظفوا بعده . وكلهم ارتقى في السلم الوظيفي وهو ما زال في مكانه منذ إحدى عشر سنة . فقال له المدير :- زملائك من عمل  خمس سنوات فعنده خبرة خمس سنوات . أما أنت فلديك خبرة سنة  واحده مكرره إحدى عشر مرة .
فمع جميع الهزائم العسكرية والسياسية أللتي تعرض لها  خلال ما يزيد عن أربع عقود . هي خبرة سنة كقائد مضروبة في عدد السنوات , فلا استزاد خبرة ولا علما ولا حنكة .
نعود إلى خطابه . ونحاول إن نقرأ ما بين السطور أو ما خلف الكلمات . فكل كلمة تعنى معناها الحقيقي وتعطي معنى آخر . والمعنى الآخر قد يكون أهم بكثير من الكلمة نفسها . وهذا ما ندعوه بقراءة ما وراء الكلمات. ولكن إذا رغبنا في وصفة بكلمة واحدة فهو " خطاب  " الهزيمة"  العسكرية . بقى الآن أن يعترف بالهزيمة السياسية ويخرج من ليبيا .
أول ملاحظة هي أن التسجيل لم يتم في أستوديو مخصص . حيث إن أي مهندس صوت يعرف هذا . ثانيهما انه لم يسجل في وقت واحد , بل سجل على أجزاء وتمت منتجته . ثالثا :- عملية إدخال الهتافات بطريقة ليست احترافية تؤكد انه لم يكن في أستوديو متخصص . وهذا يعني انه قد فقد كل الاستوديوهات الخاصة به . أو انه لا يستطيع الوصول إليها .

أما أهم النقاط التي وردت في الخطاب فهي :-

1.  اعتراف بالهزيمة في الجبل الغربي . وان الجبل أصبح خارج سلطته , ولم يطلب من أي منطقة أخرى أن تساعده في استرجاعه لأنه واثق إن لا أحد ممن يستطيع التوجه له بالطلب يستطيع فعل ذلك .

2.  بدأ يلعب لعبة قذرة , فبينما هو يتوسل للقبائل الليبية  للدفاع عنه والقتال نيابة عن سلطانه ومجده الذي أحس بان زواله أصبح قريبا . وهي  محاولة منه  جر الليبيين إلى التقاتل بينهم  والتشرذم على أسس قبلية . ويكرر هذه المحاولات كثيرا و من بداية لثورة لكن يستحب له أحد . المختلف هذه المرة أنه  بدأ يضرب على وتر حساس لدى العرب وخصوصا القبائل العربية . وهو وتر الأعراض  المحارم من النساء وإنهن سيتعرضن للمهانة وللاغتصاب على يد الصليبيين اللذين سيدخلون . ونفس النغمة نجدها بدأت تظهر وبصورة كبيرة في وسائل إعلامه .

3.  في خطابه محاولة رفع معنويات مجموعته بالكلام عن الصمود . ولكنه في الحقيقة خائف مرتعد .  فهو يحمسهم ويرفع معنوياتهم بالقول إن بنغازي ودرنة والبيضاء ستتحرك . وهو يعلم تمام المعرفة انه يستحيل أن تتحرك هذه المدن . ولكن الغرض منها أن يَشْعُر سكان طرابلس أن سكان المناطق التي خرجت عن سيطرته ترغب في العودة إليه . ولكن احذر هنا أنه قد يتحرك الطابور الخامس لعمل بعض التفجيرات في  المناطق المحررة لكي يستخدمها إعلاميا

4.  ما زال يعيش أوهام أن هنالك ممن قد يقتنعون بخطاباته ,  ولكنه يعترف صراحة انه قد فقد السيطرة على تحريك مجاميع كبيرة إذ انه يقول صراحة أنه عندما  يتكلم عن الملايين فهو لا يقصد الملايين بل يقبل بأي رقم (وكأنه يفاصل بائع  في سعر سلعة في سوق). وهذا اعتراف ضمني انه لا توجد لدية أو لدى أجهزته القدرة على حشد أعداد كبيرة .

5.  كرر كلمة قررنا وانتظرنا أن يقول لنا ماذا قرر. ولم يأتي على ذكر أي قرار , وحول القرار إلى  التلميح بالصمود والبقاء . وفي كل الخطاب لا يقول ماذا قرر إلا انه يتكلم عن الزحف السلمي . إذن ما يمكن أن نستخلصه من هذا  أن كلمة  قررنا هنا تعني انه بات لا يملك القرار . بل كلمة تعويضية عن عدم قدرته على  أتحاذ  أي قرار.

6.  نلاحظ انه في الخطاب ركز على أهل طرابلس . وهذا عائد لسببين . الأول انه خائف من خروج أهل طرابلس من تحت قبضته وانقلابها ضده لأنه بدأت تصله تقارير أن هنالك تحركات وعمليات يقوم بها الثوار في طرابلس , وهذا أيضا أشار له المذيع د. حمزة في القناة الليبية في حلقة اليوم من برنامجه . والثاني بات يعلم إن طرابلس هي الحصن الأخير له ولم يبق من ليبيا منطقة يأبه بها تحت سيطرته سوى طرابلس .

7.  الخوف الشديد من القصف وإحساس اكبر  بالخطر . والمؤكد انه بات يعرف أن لدى حلف الأطلسي معلومات مؤكدة عن مخابئه . وأثر ذلك به تأثيرا كبيرا .

8.  التكلم سابقا على استحياء عن الموت والآن بدأ يتكلم عنه بصورة اكبر وعندما يتكلم انه لا يفكر في الموت ويقولها صراحة فمعناها انه يفكر فيها ويحسه قريبا . ففي كلمته الموجهة لبني الوليد سابقا تكلم عنها كلاما عابرا . ولكنه في هذا الخطاب تكلم عن الموت كلاما صريحا لا لبس فيه . وتكررت الكلمة عدة مرات

9.  كما أعترف بهزيمته في مصراتة بخطابه لبني الوليد وأن جيشه ليس قادر على استرجاع مصراتة , نجد نفس النسق فهنا أعترف ليس هنالك أي أسلحة تكفي للدفاع عن مناطقه فيطلب من المدنيين التجهز للدفاع عن طرابلس.

10.                       لم يرد في خطابه أي ذكر لمصراتة , فهي قد خرجت من سيطرته ومن كل حساباته . فنذكر إن أول حساب له قبل الحظر الجوي كان محاولة استرجاع بنغازي . وفشل فشلا ذريعا . ثم حاول تقسيم ليبيا إلى شرق وغرب وجعل " أجدابيا " منطقة منزوعة السلاح . والمناطق المنزوعة السلاح لا تكون إلا بين بلدين متجاورين إذن كانت خطة تقسيم. وقد راقت الفكرة لبعض الدول , ولكن صمود مصراتة الأسطوري وتحررها افشل هذه الخطة . والآن أبطال الجبل حددوا له حجمه الطبيعي وهو داخل طرابلس.

11.         في خطابه شبه اعتراف بعدم وجود أسلحة يمكن أن تؤثر في المعركة الدائرة . ولذلك لم يذكر إلا أن النساء يتسلحن . ومن المعلوم أن تسلح النساء يكون بأسلحة خفيفة .  إذا في خطاباته الأولى ذكر انه سوف تفتح المخازن . وهذا اختفى في هذا الخطاب , فلا ذكر لتسليح الشعب .

12.         فقد القدرة على الحرب . وأحس بأنه ضعيف جدا بحيث يلوذ ببضع عشرات يتجمعون في" باب العزيزية" فيطلب من أنصاره حمايته كدروع. وهذا نوع من الحركات الإعلامية . لأنه عاجز عن جمع  عدد كبير حيث يمكنه توزيعهم على عدة أماكن  . فيضطر لجمعهم في مكان واحد . ويستعملهم كدروع بشرية و ذلك إضافة إلى استعماله بالدعاية .

13.         بدأنا نرى نهجا معينا لخطابات القذافي . فخطاب عندما خسر المنطقة الشرقية . ثم خطاب عندما فقد السيطرة على  الزاوية الأسيرة . وخطاب عندما خسر مصراتة . والآن خطاب عندما خسر الجبل الغربي.

أتوقع بأذن الله أن يخرج الخطاب التالي عندما يحاصر الثوار طرابلس وتنتفض طرابلس من الداخل . وعندها سيخرج بخطاب يسترحم فيه الليبيين ويطلب منهم نصرته ومساعدته , وأن الصليبيين وأعوانهم ممن يسميهم الخونة والعملاء يحاولون غزو طرابلس وإنها ستقاوم .

نصر الله ليبيا الحرة والليبيين
صالح بن عبدالله السليمان
مفكر وكاتب مسلم عربي سعودي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال