الثلاثاء، 21 يونيو، 2011

" إطعامٌ في يـوم ذى مسغبـــة " ردا على مقال الكاتب:صالح بن عبدالله السليمان ( إعتذار إلى ليبيا)

هذا مقال سطره أخ عزيز . وزاد في كرمه علينا فبين لنا بعض ما كنا نجهل من تاريخ ليبيا . ومن ناسها . خلقا ودينا وشجاعة . ولم يبالغ ابدا في ما يقول . فما نراه اليوم من بطولة ومن بأس وشجاعة يثبت ان هؤلاء الأبطال من أولائك الأسود . ولي عودة لهذا المقال لأوفيه حقه . فلا يكفيه سطر أو أثنان . 
  ___________________________________________________
                                                     بقلم : محمد عبدالله حنيش/ليبى مقيم بالإمارات
إن ما تفضل به الكاتب جاء بمثابة : إطعام في يوم ذى مسغبة من أخ كريم , ومن بلد طيب أحبه الله ورسوله.فالمقال خرج في وقته الصحيح :اقتحام عقبة .. جزاه الله بذلك ما هو أهل له عنها.
ولا غرو,  في أن نجد ذلك من أصل منشئنا في جزيرتنا العربية وكيف لا..؟ وهذا الفرع من ذلك  الأصل , أوليست الأمة كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد  ؟ فما بالك إذا كان التداعى من أصل منشأ ذات العضو ؟! ففى تقديرنا :أن المقال يحمل مواساة صادقة لنا أخرجت في صورة التعريف بنا للآخرين..  ولعل في هذا انسجام مع ما عبّر عنه أستاذ العربية والأدب, المرحوم محمود شاكر في نظمه:

                              يا ساهر الليل ما أشجاك أشجانى      وماتصبّاك من  أمر  تصبّانى
                             وما يدور  بين  جنبيك  من  ألم        أحسّه ملء أعماقى ووجدانى



إن الخطوب تحدث بأسبابها..  وتجرى الأمور بمقاديرها, وما كان بالمشيئة كائنا: فلا بد له أن يكون . فالأيام بأحداثها حبلى .. ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ).
فما هو جار حاليا في ليبيا ليس بجديد ولا مستغرب عما جرت وتجرى به المقادير دائما في كون الله  مذ  خلقه, وبدوام سرمدية قدرته . فهى في علمه سابقة من قبل أن يبرأها .
إن الأمور لم تستأخر ولم تستقدم عما هو مقدر ومحدد في مواعيدها لأنه لا يجليها لوقتها إلا هو سبحانه , لكننا نحن الذين نتجرأ بجهلنا لتحييزها في حدود إدراكاتنا استبطاءا  أو استعجالا.
إنها آيات مفصلة ,وهى في أم الكتاب قائمة, لكنها تظهر لنا عيانا عندما تسطو فرعونية البعض  على رقاب العباد خلال آجال قدرت في علمه سبحانه :     ( كذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ), وبالتالى تبدأ مسئوليتنا نحن عن نزوعنا تجاه مجريات الأمور عند ظهورها إلى حيز الإبتلاء المناط بنا أن نتعامل معه كبصائر من ربنا ,فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها , وليس ظهور أكابر المجرمين في كل قرية ليمكروا فيها بجديد على المسيرة الإنسانية منذ فتنة ناقة صالح ومن قبلها , وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

عودا إلى مقال أخينا صالح السليمان ,الذى قال:

-         كانت ليبيا دولة عربية مختفية عن الأنظار. و لا نعرف لها تاريخا ولا جغرافيا ولا نعرف لها شعبا ولا عادات .
-         فجأة خرج المارد من قمقمه , وجلسنا في محراب ذلك المارد لنتعلم منه ما لا نصدق أننا جهلناه, ولم نحلم أنه كان موجودا طوال الوقت .
-         ذلك المارد لم يعلمنا جغرافيا ليبيا فقط, فقد عرفنا تاريخها وعرفنا أبطالها , وأنهم ليسوا حصرا على شيخ المجاهدين عمر المختار. 
-         أهم ما عرفنا في هذه المفاجأة التى أذهلتنا جميعا. عرفنا الليبيين شعب التحدى والصمود.

وهنا أستسمحك أخى صالح في أن أطلعك على شيىء من تاريخ هذا الشعب,أضعه أمامك في قالبين .  ففى الأول : سأدعوك للإطلاع على  ما عايشه وأخبر به أشهاد غير ليبين؛

1-يقول المؤرخ الأمريكى : ( جلين تكر) عن المعاهدة التى وقعتها أمريكا مع يوسف باشا والى طرابلس بأنها ( أذل معاهدة بتاريخها ) وذلك عقب خسارتها معه في معركتها التى عرفت تاريخيا باسم حرب السنوات الأربعة1801 -1804 جراء رفض أمريكا دفع المكوس التجارية مقابل مرور سفنها بالمياه الإقليمية, ( كانت العائلات الأمريكية تودع رجالاتها البحارة بدعاء معروف سجله التاريخ : [حفظكم الله من شر السفن الطرابلسية] ) ,تلك الحرب التى وصفها (جلين تكر) والدكتور (كودرى) المرافقان للحملة الأمريكية بأنها من أقسى المعارك الحربية في تاريخ المنطقة ,والتى أسفرت عن أسر البارجة الأمريكية (فيلادلفيا) من قبل البحارة الليبيون بقيادة أمير البحر (الريس مراد) ,سنة 1805 م وكان على ظهرها 44 مدفعا و 301 ضابطا وبحارا , وقامت بسببها الحملة الأمريكية بقيادة الجنرال الأمريكى ( إيتون ) على شرق ليبيا بمدينة( درنه ) حيث ساندته قطع البحرية الأمريكية التى كانت محملة بجنود البحرية التى تم إبرارها عبر النزول بخليج (البمبة) في أول مهمة حربية للقوة المحمولة والتى أصبحت تعرف فيما بعد باسم قوات المارينز , فهل تصدق أن أولى مهمات المارينز كانت في ليبيا , وأن في النشيد العسكرى التقليدى لقوات المارينز ما يشير إلى معاركها عاى الشواطىء الليبية لا يزال يردد حتى الآن؟!
فشلت الحملة ,وكانت المعركة فاصلة إنهزم فيها (إيتون) وجيشه , واضطر السفير الأمريكى (كلايتون)المتجول في عهد الرئيس جفرسون إلى توقيع المعاهدة تاركا (إيتون) وجيشه بالصحراء دون مساعدة ( مقابل الإفراج عن أسرى البارجة فيلادلفيا ).


2- إحتوت مضامين رسائل ( مس توللى )أى الآنسة توللى, أخت القنصل البريطانى في ليبيا المتواجد بطرابلس في تلك الفترة( خلال ولاية يوسف باشا وحروبه المشهورة مع الاسطول الأمريكى في البحر المتوسط ) والتى كانت ترسل بها إلى إنجلترا تباعا لما يجرى من أحداث , واعتـُبرما تضمنته تلك الرسائل بمثابة وثائق تسجيلية شبه يومية لمجريات الأمور إبان تلك الحرب,ومن شاء أن يطلع عليها فبإمكانه الرجوع إلى أصولها  حيث تم تجميع تلك الرسائل فى كتاب عنوانه: ( عشر سنوات فى بلاط طرابلس ) ترجمتة مكتبة الفرجانى فى الستينات,إذ فيها ما هو جدير بالإطلاع من صور سلوكية لليبيين,وما سببوه للأمريكان من متاعب وفرض أتاوه على سفنهم التجارية المارة بالبحر المتوسط. وكذلك طريقة تعاونهم وتكاتفهم إثر  تفشى مرض الطاعون في دول شمال إفريقيا ومن بينها ليبيا.


3- في كتاب ضابط المخابرات الإنجليزى المايجور : Vladimir Beniakuf popski الذى تم تكليفه فى الحرب العالمية الثانية بالعمل خلف خطوط العدو( قوات المحور الألمانية والإيطالية) المتواجدة بليبيا ,إذ اقتضى الإتفاق بين الأمير إدريس السنوسى اللاجىء حينذاك بمصر - والذى أصبح ملكا لليبيا غداة اندحارالمحور ومنهم إيطاليا التى إستعمرت ليبيا فى الفترة من سنة1911  إلى نهاية الحرب العالمية الثانية- حيث بدأ بتشكيل جيش التحرير السنوسى بالمهجر, وأجرى اتفاقا مع قيادة الجيش البريطانى الثامن فى مصر أن يساعد ويشارك أفراد من الجيش السنوسى العارفين بطبيعة المنطقةفى أعمال الحرب ضد المحور ومن بينها المهام المكلف بها المايجور بوبسكى لإرباك مؤخرة جيوش العدو وقطع إمدادته . وأصبحت تلك المفرزة تعرف فى تاريخ الحرب بمصطلح:popski private Army (PPA)   (أصبح هذا المسمى عنوان كتابه المشهور الذى ضمنه يومياته وتفاصيل الأحداث, وفيه  من العجب العجاب مما ذكره عن الأهالى الليبيين الذين ساعدوه فى المهمة, والذين اختلط بهم فى نجوعهم ووديانهم).
أرسلت تلك التشكيلة سرا من القاهرة جوا وأنزلت فى واحة سيوة فى أقصى غرب الصحراء الحدودية بين مصر وليبيا لتقطع المسافة الصحراوية برا حتى مناطق ساحل البحر المتوسط حيث تواجد قوات المحور فى المدن والقرى الليبيه, وطيلة أربعة سنوات عايش فيها (بوبسكى) الليبيين حياتهم, شاركهم وجبات أكلهم وجالسهم فى بيوتهم وخيامهم, ونام معهم مختبئا فى الأودية والكهوف, وشاركوه الهجوم ليلا على العدو,وساعدوه فى إخراج الجنود  البريطانيين الأسرى لدى الألمان.
ركب جمالهم وخيلهم وحميرهم وخبروا به الصحراء ليلا وهو يستغرب شجاعتهم ويقول فى مذكراته أنه يعلم جيدا أنه لو تم أسره, فإن مقتضى معاهدة جنيف كفيل بصون حياته كجندى أسير , أما الليبيين الذى يشاركوه مهمته  فإن إعدامهم وحرق بيوتهم والتنكيل بأسرهم هو ما تنص عليه قوانين إيطاليا باعتبارهم مواطنى مستعمرتهم الخونة لمساعدتهم قوات الأعداء, وبالرغم من ذلك فقد قال : إن أيا منهم لم يتردد فيما أوكل إليه من واجبات خطيرة. بل ويقر فى مذكراته أن أولئك الفقراء لم يقبل أحد منهم أن يخبرعنى العدو باستثناء شخص واحد ,ذاك الذى وجد مذبوحا بيد الليبيين أنفسهم جراء وشايته فى أقل من شهر. ويصف (بوبسكى) وقائع أحد اجتماعاته السرية مع بعض شيوخ القبائل فى موقع يسمى وادى الرملة , بأنه بينما كان منهمكا فى الحديث مع روؤساء القبائل المهمين حاثا إياهم على الجد فى المساعدة لقوات الحلفاء وخططها , يقول : إذا بأحد الشباب- الذى تصادف حضوره دون أن يُقدم لى باسم ولا مركز إجتماعى –  يباشر الحديث, مما جعلنى أسأل مساعدى عن هوية المتحدث ,ولماعرفت أنه أحد الرعاة العادييين, حاولت بلباقة أن أنهى مداخلته حرصا على الوقت ,وفوجئت باحد المشايخ يستهجن موقفى قائلا: إسمع نحن فى أعرافنا نحترم حديث الرجال ولا نقبل إطلاقا تسفيهه , فعليك الإستماع لحديثه بما لا يقل عن حديث أي منا !! .. ويقول بوبسكى: وهكذاعلمنى بدو ليبيا درسا فى الديمقراطية لن أنساه.
ويستغرب ( بوبسكى) من إيمان أحد معاونيه الليبيين ويدعى محمد , إذ أنهم عندما قاموا بمحاولة تدمير طائرات العدو الرابضة فى منطقة المرج  فقد تعرضوا لفشل فى خطتهم وبالتالى واجهتهم مقاومة عنيفة أدت إلى موت البعض وخسارة بعضا من سياراتهم مما اضطرهم للإنسحاب والتوجه إلى مقرهم الأساسى بواحة سيوة على بعد مئات الكيلومترات عبر الصحراء , تلاحقهم طائرات إستكشاف العدو لتحديد موقعهم لقاذفات القنابل المدفعية, يصف بوبسكى الحال فيقول: كان محمد مجروحا جرحا بليغا والجو حارا إثر هبوب رياح الخماسين الجنوبية المعروفة فى شمال إفريقيا , وكان المسلمون حينذاك يؤدون فريضة الصيام, ورغم أن الدين المحمدى كان يبيح له أن يفطر إلا أن محمدا واصل صيامه, وعانى من إصابته البليغة ,وعبر معى الصحراء الحارة تحت وابل قصف العدو لنا حتى واحة سيوه !.


وأما القالب الثـــــانى  : فهو أن أتعرض فى عجالة لبعض الأمثلة من المواقف التى عاشها الليبيون ولم يذكرها مؤرخون ولا رواة ٌ من نماذج تعبر عن ( مجرد أمثلة ) لما كان يحفل به تاريخ هذا الشعب خلال فترة الإستعمار الإيطالى ,   وأنا إذ أورده فى هذا المقام فإنما أردت به:-
1-    تبيانا لمعنى  ما جاء فى مقالك : ( لا نصدق أننا جهلناه, ولم نحلم انه كان موجودا).
2-    كلمة صدق فى حق سلف صالح تحنـّكنا بريقه الطاهر عندما ولدنا بهذا الوطن لعلها    - أوكانت لزاما- أن تكون لنا ولمن خلفنا آية,  بل هى أيات للمتوسمين.


                                        المثال الأول:
عندما إمتدت مقاومة المجاهدين فى ليبيا بقيادة الشيخ عمر المختار للغزاة الإيطاليين لأكثر من عشرين سنة بدون إمكانيات لديهم سوى الإعتماد على إمدادات المواطنين السرية لهم حسب ما كان يتوفر عندهم من زاد أو كساء, فقد ارتأت حكومة إيطاليا سنة 1929 أن تسوق جميع السكان المحليين ومواشيهم لتحصرهم فى معسكرات جماعية محصورة بأسلاك شائكة وحراسة  مشددة ,فى كل من ( البريقة –العقيلة – المقرون ). وذلك بهدف قطع إمدادات التموين عن عمر المختار ومن معه حتى يجوعوا ويستسلموا !.
وهكذا وجد الليبيون أنفسهم وعائلاتهم أسرى فى معسكرات تفتقر إلى أبسط قواعد الرعاية الصحية والغذائية وسرعان ما نفقت مواشيهم ونفذ غذاؤهم وانتشرت بينهم الأوبئة والأمراض وسوء التغذية وانعدام الدواء, مع الضرب والتنكيل والقهر النفسى بهدف إضعاف معنوياتهم لتطويعهم عنوة للإذعان للعهد الفاشيستى.
نشأ بينهم إذ ذاك عُرف  جديد  سموه :   سدّ ُ البيت .   فما هو سدّ البيت  ياترى؟
عندما لا يوجد عندهم ما يقتاتون به , ولا يجدون وسيلة يحصلون بها على مايأكلونه وتتقطع بهم السبل, وخوفا من أن يسألون الناس إلحافا ً أوأن تضطر العوائل والحرائر تحت شدة الجوع إلى الإتيان بما يجلب العار , فإنهم يسدون البيت لا يخرج منه أحد ويقبعون داخله انتظارا للموت المستور !!! حتى أصبح مصطلح (عائلة فلان سدوا اليوم بيتهم )أمرا مألوفا .  ( هذه حقائق مشهودة وليست خيالات سينمائية ).


                                     المثال الثانى :
اقتضت النظم الإيطالية حينذاك أن يتجمع الأهالى الأسرى فى نهاية كل يوم للتتميم عليهم فردا فردا للتأكد من عدم هروبهم من المعتقل. وكل من يتأخر عن وقت التجمع ولو لوقت قصير يعاقب علنا بالجلد بالسوط وبالعدد الذى يخطر على بال المسئول الإيطالى المتواجد فى لحظتها.
تصادف أن تأخر أحد الرجال المسنين , وجاء يجر رجليه بإعياء واضح , ويرتدى أسمالا رثة,
لا تزيد عن قميص وسروال باليتين جدا.  فأخذت المسئول الإيطالى العزة بالإثم وأمر بجلده مائة جلدة أمام الحضور .. وقام الأزلام بطرح الشيخ مكبا على وجهه لمباشرة التنفيذ , وهنا انبرى أحد المبالغين الحريصين على إرضاء أسيادهم مبينا أنه لا يتم الجلد من وراء ثوب وسروال معا لأنهما يشكلان واقيا  يخفف من ألم السوط , إذ لابد من نزع إحدهما , والإبقاء على الآخر ساترا له  فقط !!!, وتحاور المنفذون بينهم عن أىّ ٍ منها يبقون للسترة ؟ ! فما كان من ذلك الشيخ إلا أن خلع الاثنين معا  وتمدد عاريا أمام الجميع وقال عبارته المشهورة: ماذا بينى وبينكم ؟ هذا الجسد الفانى .. تفضلوا  بالضرب عليه مباشرة بلا ثوب ولا سروال !!.
وهكذا شهدت ملائكة الرحمن مرة أخرى كما شهدت فى زمن غابر قول سحرة فرعون:   فاقض ما أنت قاض .


                                 المثال الثالث :

نصّت قوانين الغزاة الإيطاليين على معاقبة كل من يأوى أو يزود المجاهدين بتموين أوسلاح أو حتى بشربة ماء بعقوبة الشنق وحرق بيته ومواشيه وممتلكاته وبدون إعفاء بأى ذريعة كانت.
وجهزت فى سبيل ذلك مشنقة متنقلة تنصب فجرا أمام بيت من وصلتهم إخباريات تحرياتهم عنه مرتكبا لإى من تلك الجرائم للتنفيذ فى عين المكان فورا .
تصادف أن كان أحد المسافرين مترجلا , ولما جن عليه الليل آنس أحد منتجعات العرب بالجوار فنزل عليهم ضيفا لقضاء ليلته عندهم وليستأنف السير باكرا , ولم يكن يدرى أن استضافته تلك
كانت هى أولى خطواته نحو الأجل, إذ أن بعضا من المجاهدين كانوا قد حلوا ضيوفا على أهل
                                                                                                                                 ذلك النجع فى إحدى الليالى الماضية وتناولوا وجبة العشاء هناك , ورصدت العيون المتربصة تلك الجريمة النكراء ,وأبلغت السلطات التى جهزت  عدتها للإنتقام.  فلما تنفس الصبح كان النجع مطوقا من كل جانب, ويجرى نصب المشنقة على استعجال أمام الخيام, وعويل النساء والأطفال والمستغيثين يسمع عن بعد , وتقدم الجنود لإخراج جميع الرجال للمشنقة ولم يستثنوا أحدا.
سيق الضيف مع بقية الرجال إلى المشنقة , وأربأ بنفسه أن يحاول النجاة مبينا أنه مجرد عابر سبيل لم يرتكب جرما, وذلك عندما شاهد بكاء العوائل على الرجال الذين يساقون شامخين لحتفهم ,واستحى أن يتبرأ من ذلك أمام النساء والأطفال ,ومن أن لا تبكيه عائلته كما يبكى هؤلاء , و لم يجد لنجاته معنا ولا للعيش فى ظل هذا القهر مبررا ! , وعندما حاول مضيفوه أن يثبتوا للجنود عدم مسئوليته مثلهم , رفض ذلك , وأكد للجنود أنه كان أحدهم .  وهكذا كان .

أخى صالح :  يستخلص مما سبق التدليل به – كمجرد أمثلة – أن لا تثريب عليك لكى تعتذر من عدم دراية  فرضتها عليك طبيعة الظروف , ومع هذا فقد جاء مقالك   كإطعام فى يوم ذى مسغبة سد رمقنا وقت الحاجة, وسنظل ممتنين لكم به . أما ما يقوم به الخلف الآن وما أثار إعجابك إنما هو إمتداد   لإباءِ  وشمم أولئك  الأسلاف.

فــ  ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) صدق الله العظيم.

وعليك السلام أخى صالح ..  مستدركا لبيبا ,  وأخا منصفا ,  وجابرا للخواطر مواسيا .
حفظكم الله وحفظ أوطانكم من كل سوء.

هناك تعليقان (2):

  1. والله لا تعليق لدي لم اجد الكلمات

    ردحذف
  2. شكرا لكاتب المقاله على سرده لاحداث تاريخية مؤلمة.
    اما بالنسبة لاخونا صالح فلا اعتقد ان الشعب الليبي سينسى معروفه وحسن جميله.
    نتمنى ان نلتقي بأخونا الاستاد صالح في ليبيا عما قريب بجاه الحبيب المصطفى عليه افضل السلام.

    ردحذف

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال