الاثنين، 29 سبتمبر، 2014

ما معنى " عربي "

أرسل احد الأخوة الزملاء من المثقفين رسالة يقول فيها ما يلي:-
حضرتكم تتجاوزن واقع الحال في جل تعريفاتكم بالأوضاع في المنطقة، فنرى قلمكم الموقر يخط جمل وتوصيفات تمس بعموميتها حقوق الأخرين سلباً .. فمصطلحات كا : المنطقة العربية ؟ الأمة العربية ؟ الثورات العربية ؟ ... إلخ ، هي مصطلحات تمس بوجود الأخر وبحقوقه في تعريفه أو مخاطبته بكيانه وهويته وثقافته ..
فكيف بالله عليك أن نسمي الثورات بالعربية أو الربيع العربي ؟ وأنت وكل العالم يعلم بأن في ليبيا هناك أمازيغ قدموا ولا يزالوا كل غال ونفيس من أجل الثورة و في مصر هناك أقباط ومسلمين و في تونس هناك عرب وأمازيغ وفي سوريا هناك مسيحيين ومسلمين .. عرب وأكراد .. إلخ ؟؟؟
فإلى متى هذا التجاهل للواقع وإسقاط للأيدلوجية القومية على أحداث وثورات قامت بالأساس ضد أنظمة حكمت بهذا الأيدلوجية ؟


فرددت على أخي أقول له , وأتمنى ان يقرأ كامل ردي قبل الرد سواء بموافقتي أم بمخالفتي فشعاري كان ولم يزل " أختلف معي ... ناقشني .. ولكن لنحترم أراء بعض " أقول :-

بادئ ذي بدء :- يجب أن أوجه عنايتكم الكريمة ماذا قصدت بمصطلحات كـ : المنطقة العربية , الأمة العربية , والثورات العربية .

هذا نوع من التعريف للجهة أو المنطقة المقصود بها الكلام , فمن الطبيعي أن نستعمل المصطلح في مكانه ومعناه . فلم يكن  المقصود أبدا حصر القوميات , ويشهد الله أني أكنّ كل تقدير لأخواني الطوارق وأخواني الأكراد وغيرهم ممن يسكن المنطقة من المغرب إلى المشرق. بل وأجل وأحترم كل البشر دون النظر في لون أو أصل أو غيرها من الفروق , وأحكم على الفرد لذاته وخلقه وليس بغير ذلك . وفي أحدى النقاشات قبل انتصار الثورة الليبية قلت أني لا أرى أي ضير بل وأراه حقا لطوارق ليبيا وغيرها أن يكون لهم علمهم الخاص , وضربت مثلا لذلك أن كل ولاية أمريكية لها علمها, بل وللكثير من المدن علمها الخاص , ويحق لهم تعليم لغتهم لأبنائهم ولغيرهم , فكلما تعددت مصادر الحضارة كان أرسخ لها وأقوى , هنا لا أتكلم عن مفهوم سياسي بل عن مفاهيم إنسانية واجتماعية هي أرسخ من المفاهيم السياسية القابلة للتغير والتبدل.


بالطبع لا ينكر عاقل اثر الأمازيغ  الجلي في الثورة الليبية , ولا أثرهم في التاريخ الإسلامي . وكذا اثر الأكراد وغيرهم , فالأمة بستان يحوى جميع الألوان, ولولا تميز ألوان قوس قزح لما ذكره الناس . فالأمة تزهو بكل أطيافها وتنمو وتزدهر بهم .

أما استعمالي لهذه المصطلحات فليس به, وليس من المفروض أن يفهم منه انتقاص من أي قومية. وهو بالضبط كمصطلح "الأمة الصينية" مع أن الكثير من سكانها من قوميات أخرى كالترك والمغول والتتار . وقولك " الأمة اليابانية " مع أن اليابان تحتوي على العديد من القوميات منها الأينو في شمال اليابان والصينيون في جنوبها . أضف إلى ذلك "أمريكا اللاتينية" وغيرها أمثلة كثر .


لقد أساء الكثير لمفهوم العربية , بل بلغت الإساءة أن جعل سيدنا محمد عليه السلام من العرب المستعربة .

العربية هي مفهوم جامع لكل من كانت العربية لغته الأم , هذا هو المفهوم الذي أؤمن به ومستعد لمناظرة أي إنسان على ذلك . فهو لا ينفي قومية الدم والنسب بل هو إضافة لها .

هذا لا ينقص من بقيه القوميات ومنها قوميتي , فأنا أنتمي إلى بني تميم , وبنو تميم يرجعون إلى جدهم سيدنا إبراهيم عليه السلام, وسيدنا إبراهيم لم يكن من الجزيرة العربية , وأختلف النسابون في مرجعه فأرجعه البعض إلى "أور" العراق  فيصبح  "أشوريا أريا" . وبعضهم أرجعه عليه السلام إلى أور أرمينيا فيكون نسبه أرمينيا .


فهل هذا إنقاص منه عليه السلام أم من نسله ومنهم  سيد الخلق ؟

وهل هذا نقص في عربية سيدنا محمد ؟

وإثبات لرأيي هذا واضح في اللغة العربية نفسها , فيقال هذا عربي ويقصد به من أفصحت لغته وهذا أعجمي أي لا يُفصح فلا يفهمون لغته التي يتكلم بها , وحتى في القران الكريم يبين هذا المعنى الواضح فيقول الله سبحانه وتعالى ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ﴾ .

هنا نأتي بمصطلحات كـ : المنطقة العربية , الأمة العربية , الثورات العربية . فما هو البديل المفهوم عنها ؟

فنحن نتكلم عن هذه المنطقة التي تقع بين المحيط الأطلسي والخليج . هل هناك أسم يميزها عن غيرها ؟

فلو قلت مثلا الثورات الإسلامية ألا تدخل معا ثورات إيران واندونيسيا وبنجلاديش؟ ولو قلت الثورات العالمية حينها ستكون مبهمة أيما أبهام .  

أخي الكريم ," العربية " هي صفة جامعة , قد يكره البعض منا ما لحق بها من شوائب , وخصوصا بعد ظهور ساطع الحصري (1880-1968) الذي كان منادينا بالقومية الطورانية والتتريك ثم تحول علي حين غرة  للمناداة "بالقومية العربية" وهو أول من جعل "العربية" مرادفة " للقومية" وناصره شكيب أرسلان وغبدالرحمن الكواكبي في ذلك , وكان ذلك عند ظهور حزب الاتحاد والترقي ثم تركيا الفتاة والمناداة بالقومية التركية , أما قبلها فكانت العربية إضافة . فالبخاري عربي , والنسائي عربي والخوارزمي عربي حتى و كنيتهم  تظهر قوميتهم بالنسب , فلسانهم عربي .

فأنا عربي رغم أن أصولي قد تكون آشورية أو أرمينية .

على هذا المفهوم أتعبد الله عز وجل , لأني افهم قرآنه الكريم على هذا المفهوم  وهو الذي لا يعارض قوله تعالى(  يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ).

فلا فخر وتفاخر بين قومية وأخرى ولا تفاضل ولا تمايز , ومن قال بغير هذا فأنا بريء منه براءة الذئب من دم أبن يعقوب.

والسلام عليكم ورحمة  الله وبركاته

أخوكم ومحبكم                                 

صالح بن عبدالله السليمان




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

< أتمنى لكم قراءة ممتعة مفيده
أرحب بكل أرآكم ومقترحاتكم يرجى ذكر الاسم أو الكنية للإجابة - ونأسف لحذف أي
تعليق لا علاقة له بموضوع المقال